الف ليلة و ليلة 97

الف ليلة و ليلة 97

وفي الليلة الخامسة والأربعين

قالـت: بلغنـي أيهــا الملــك السعيــد أن الملــك قــال: يــا صامــت احــك لنــا سبــب كلامــك هــذا فقــال: يــا ملـك وحـق نعمتـك أن الأحـدب فيـه الــروح ثــم إن المزيــن أخــرج مــن وسطــه مكحلــة فيهــا دهــن ودهــن رقبــة الأحــدب وغطاهــا حتــى عرقــت ثــم أخــرج كلبتيــن مــن حديــد ونــزل بهمــا فــي حلقــة فالتقطتـــا قطعــة السمــك بعظمهــا فلمــا أخرجهــا رآهـــا النـــاس بعيونهـــم ثـــم نهـــض الأحـــدب واقفـــاً علـــى قدميـــه وعطـس عطسـة واستفـاق فـي نفسـه وملـس بيديـه علـى وجهـه وقـال: لا إلـه إلا اللـه محمــد رســول اللــه فتعجـــب الحاضـــرون مـــن الـــذي رأوه وعاينـــوه فضحـــك ملــــك الصيــــن حتــــى غشــــي عليــــه وكذلــــك الحاضـرون وقـال السلطـان: واللـه إن هـذه القصـة عجيبـة مــا رأيــت أغــرب منهــا ثــم إن السلطــان قــال: يـا مسلميـن يـا جماعـة العسكـر هـل رأيتـم فـي عمركـم أحـداً يمـوت ثـم يحيــا بعــد ذلــك ولــولا رزقــه اللــه بهــذا المزيــن لكــان اليــوم مــن أهــل الآخــرة فإنــه كـــان سببـــاً لحياتـــه فقالـــوا: واللـــه إن هـــذا مـــن العجـــب العجـاب ثـم إن ملـك الصيـن أمــر أن تسطــر هــذه القصــة فسطروهــا ثــم جعلوهــا فــي خزانــة الملــك ثــم خلـع علـى اليهـودي والنصرانـي والمباشـر وخلــع علــى كــل واحــد خلعــة سنيــة وجعــل الخياطــة خياطــه ورتـب لـه الرواتـب وأصلـح بينـه وبيـن الأحـدب وخلــع علــى الأحــدب خلعــة سنيــة مليحــة ورتــب لــه === الراتـــب وجعلـــه نديمـــه وأنعـــم علـــى المزيـــن وخلـــع عليـــه خلعـــة سنيـــة ورتـــب لـــه الرواتـــب وجعـــل لـــه جامكيـة وجعلـه مزيــن المملكــة ونديمــه ولــم يزالــوا فــي ألــذ العيــش وأهنــاه إلــى أن آتاهــم هــازم اللــذات ومفـرق الجماعـات وليــس هــذا بأعجــب مــن قصــة الوزيريــن التــي فيهــا ذكــر أنيــس الجليــس قــال الملــك وما حكاية الوزيرين === حكاية الوزيرين التي فيها ذكر أنيس الجليس قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أنـــه كـــان بالبصـــرة ملـــك مـــن الملـــوك يحـــب الفقـــراء والصعاليكويرفـــق بالرعيــة ويهــب مــن مالــه لمــن يؤمــن بمحمــد صلــى اللــه عليــه وسلــم وكـــان يقـــال لهـــذا الملـــك محمـــد بـــن سليمــان الزينــي وكــان لــه وزيــران أحدهمــا يقــال لـــه المعيـــن ابـــن ســـا وي والثانـــي يقـــال لـــه الفضـــل بـــن خاقـــان وكـــان الفضـــل ابـــن خاقـــان أكــــرم أهــــل زمانــــه حســــن السيــــرة أجمعــــت القلــــوب علــــى محبتــــه واتفقـــت العقـــلاء علـــى مشورتـــه وكـــل النـــاس يدعـــون لـــه بطـــول مدتـــه لنـــه محضـــر خيـــر مزيـــل الشــــر والضيــر وكــان الوزيــر معيــن بــن ســاوي يكــره النــاس ولا يحــب الخيــر وكــان محضــر ســـوء وكـــان النـــاس علــى قــدر محبتهــم لفضــل الديــن ابــن خاقــان يبغضــون المعيــن بــن ســـاوي بقـــدرة القـــادر ثـــم إن الملـــك محمــد بــن سليمــان الزينــي كــان قاعــداً يومــاً مــن الأيــام علـــى كرســـي مملكتـــه وحولـــه أربـــاب دولتـــه إذ نــادى وزيــره الفضــل بــن خاقــان وقــال لــه: إنــي أريــد جاريــة لا يكــون فــي زمانهــا أحســن منهـــا بحيـــث تكـون كاملـة فــي الجمــال فائقــة فــي الاعتــدال حميــدة الخصــال فقــال أربــاب الدولــة: هــذه لا توجــد إلا بعشرة آلاف دينار.
فعنــد ذلــك صــاح السلطــان علــى الخازنــدار وقــال: احمــل عشــرة آلــاف دينــار إلـــى جـــار الفضـــل بـــن === خاقــان فامتثــل الخازنــدار أمــر السلطــان ونــزل الوزيــر بعدمــا أمــره السلطــان أن يعمــد إلــى الســوق فـــي كـل يـوم ويوصـي السماســرة علــى مــا ذكــره وأنــه لا تبــاع جاريــة ثمنهــا فــوق الألــف دينــار حتــى تعــرض علـى الوزيـر فلـم تبـع السماسـرة جاريـة حتــى يعرضوهــا عليــه فامتثــل الوزيــر أمــره واستمــر علــى هــذا الحــال مــدة مــن الزمــان ولــم تعجبــه جاريــة فاتفــق يومــاً مــن الأيــام أن بعــض السماســـرة أقبـــل علـــى دار الوزيــر الفضــل بــن خاقــان فوجــده راكبــاً متوجهــاً إلــى قصــر الملــك فقبــض علــى ركابــه وأنشـــد هذيـــن البيتين: يا من أعاد رميم الملك منشوراً أنت الوزير الذي لا زال منصوراً أحييت ما مات بين الناس من كرم لا زال سعيك عند الله مشكورا ثـم قـال: يـا سيــدي إن الجاريــة التــي صــدر بطلبهــا المرســوم الكريــم قــد حضــرت فقــال لــه الوزيرعلــي بهــا فغــاب ساعــة ثــم حضــر ومعــه جاريــة رشيقــة القـــد قاعـــدة النهـــد بطـــرف كحيـــل وخـــد أسيـــل وخصـر نحيـل وردف ثقيـل وعليهـا أحســن مــا يكــون مــن الثيــاب ورضابهــا أحلــى مــن الجلــاب وقامتهــا تفضـــح غصـــون البـــان وكلامهـــا أرق مـــن النسيـــم إذا مـــر علـــى زهـــر البستـــان كمـــا قـــال فيهـــا بعــــض واصفيها هذه الأبيات: لهـا بشـر مثـل الحريــر ومنطــق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر === فيا حبها زدني جوى كل ليلـة ويا سلوة الأيام موعدك الحشـر ذوائبهـــا ليـــل ولكـــن جبينهـــا إذا أسفرت يوم يلوح بـه الفجـر فلمــا رآهــا الوزيــر أعجبتــه غايــة الإعجــاب فالتفــت إلــى السمســار وقــال لـــه: كـــم ثمـــن هـــذه الجاريـــة فقـال: وقـف سعرهـا علـى عشـرة آلـاف دينـار وحلـف صاحبهـا أن العشـرة آلــاف دينــار لــم تجــيء ثمــن الفراريــج التــي أكلتهــا ولا ثمــن الخلـــع التـــي خلعتهـــا علـــى معلميهـــا فإنهـــا تعلمـــت الخـــط والنحـــو واللغـــة والتفسيــر وأصــول الفقــه والديــن والطــب والتقويــم والضــر بالآلــات المطربــة فقـــال الوزيـــر علـــي بسيدهـــا فأحضــره السمســار فــي الوقــت والساعــة فــإذا هــو رجــل أعجمــي عــاش زمنــاً طويـــلاً حتـــى صيـــره الدهر عظماً في جلد.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
في الليلة السادسة والأربعين قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أن العجمـي صاحــب الجاريــة لمــا حضــر بيــن يــدي الوزيــر الفضــل بــن خاقـان قـال لـه الوزيـر: رضيـت أن تأخـذ فـي هـذه الجاريـة عشـرة آلـاف دينـار مــن السلطــان محمــد بــن سليمــان الزينــي فقــال العجمـــي: حيـــث كانـــت للسلطـــان فالواجـــب علـــي ان أقدمهـــا إليـــه هديـــة بـــلا ثمـن.
فعنـد ذلــك أمــر بإحضــار الأمــوال فلمــا حضــرت وزن الدنانيــر للعجمــي ثــم أقبــل النخــاس علــى === الوزيـر وقـال: عــن إذن مولانــا الوزيــر أتكلــم فقــال الوزيــر: هــات مــا عنــدك فقــال: عنــدي مــن الــرأي أن لا تطلــع بهــذه الجاريــة إلــى السلطــان فــي هــذا اليـــوم فإنـــه قادمـــة مـــن السفـــر واختلفـــت عليهـــا الهـــواء وأتعبهــا السفــر ولكــن خلهــا عنــدك فــي القصــر عشــرة أيــام حتــى تستريـــح فيـــزداد جمالهـــا ثـــم أدخلهـــا الحمــام وألبسهــا أحســن الثيــاب وأطلــع بهــا إلــى السلطــان فيكــون لــك فــي ذلـــك الحـــظ الأوفـــر فتأمـــل الوزيــر كلــام النخــاس فوجــده صوابــاً فأتــى بهــا إلــى قصـــره وأخلـــى لهـــا مقصـــورة ورتـــب لهـــا كـــل مـــا تحتــاج إليــه مــن طعـــام وشـــراب وغيـــره فمكثـــت مـــدة علـــى تلـــك الرفاهيـــة وكـــان للوزيـــر الفضـــل بـــن خاقــان ولــد كأنــه البــدر إذا أشــرق بوجــه أقمــر وخــد أحمــر وعليـــه خـــال كنقطـــة عنبـــر وفيـــه عـــذار أخضر كما قال الشاعر في مثله هذه الأبيات: ورد الخدود ودونه شوك القنا فمـن المحـدث نفسـه أن يجتنــى لا تمــدد الأيــدي إليـــه فطالمـــا شنوا الحروب لأن مددنا الأعينا يا قلبه القاسـي ورقـة خصـره هـلا نقلـت إلـى هنـا مـن هنــا لو كـان رقـة خصـره فـي قلبـه ما جار قط على المحب ولا جنى يا عاذلي في حبـه كـن عـاذري من لي بجسم قد تملكه الضنى مـا الذنـب إلا للفـؤاد وناظــري لولاهما ما كنت في هذا العنى === وكـان الصبـي لـم يعـرف قضيـة هـذه الجاريـة وكــان والــده أوصاهــا وقــال لهــا: يــا بنتــي اعلمــي أنــي مــا اشتريتـك إلا سريـة للملـك محمـد بــن سليمــان الزينــي وإن لــي ولــداً مــا تــرك صبيــة فــي الحــارة إلا فعــل بهـــا فاحفظـــي نفســـك منـــه وأحـــذري أن تريـــه وجهـــك أو تسمعيـــه كلامـــك فقالـــت الجاريــــة: السمــــع والطاعــة ثــم تركهــا وانصــرف.
واتفــق بالأمــر المقــدر أن الجاريــة دخلــت يومــاً مـــن الأيـــام الحمـــام الـــذي فـي المنـزل وقـد حماهـا بعـض الجـواري ولبسـت الثيـاب الفاخـرة فتزايـد حسنهـا وجمالهــا ودخلــت علــى زوجـــة الوزيـــر فقبلـــت يدهـــا فقالـــت لهـــا: نعيمـــاً يـــا أنيـــس الجليـــس كيـــف حالـــك فـــي هـــذا الحمــــام فقالـــت: يـــا سيدتـــي مـــا كنـــت محتاجـــة إلا إلــــى حضــــورك فيــــه فعنــــد ذلــــك قالــــت سيــــدة البيــــت للجـــواري: هيـــا بنـــا ندخـــل الحمـــام فامتثلـــن أمرهــــا ومضيــــن وسيدتهــــن بينهــــن وقــــد وكلــــت ببــــاب المقصـورة التـي فيهـا أنيـس الجليـس جاريتيـن صغيرتيـن وقالـت لهمــا: لا تمكنــا أحــد مــن الدخــول علــى الجاريـة فقالتـا: السمــع والطاعــة.
فبينمــا أنيــس الجليــس قاعــدة فــي المقصــورة وإذا بابــن الوزيــر الــذي اسمــه علــي نــور الديــن قــد دخــل وســأل عــن أمــه وعــن العائلــة فقالــت لــه الجاريتــان: دخلــوا الحمـــام و قــد سمعــت الجاريــة أنيـــس الجليـــس كلـــام علـــي نـــور الديـــن بـــن الوزيـــر وهـــي مـــن داخـــل المقصـــورة.
فقالت في نفسها: ياتـرى مـا شـأن هـذا الصبـي الـذي قـال لـي الوزيـر عنـه أنـه مـا خـلا بصبيـة فـي الحـارة الا وأوقعهــا واللــه أنــي أشتهــي أن أنظــره.
ثــم أنهــا نهضــت علــى قدميهــا وهــي بأثـــر الحمـــام وتقدمـــت === جهــة بــاب المقصــورة ونظــرت إلــى علــي نــور الديــن فــإذا هــو كالبـــدر فـــي تمامهفأورثتهـــا النظـــرة ألـــف حسـرة ولاحـت مـن الصبـي التفاتـة إليهـا فنظرهـا نظـرة اورثتـه ألـف حســرة ووقــع كــل منهمــا فــي شــرك هـوى الآخـر فتقـدم الصبـي إلـى الجاريتيـن وصـاح عليهمـا فهربتـا مـن بيـن يديـه ووقفــا مــن بعيــد ينظرانــه وينظـران مـا يفعـل وإذا بـه تقـدم مـن بـاب المقصــورة وفتحــه ودخــل علــى الجاريــة وقــال لهــا: أنــت التــي اشتــراك أبــي فقالــت لــه: نعــم فعنــد ذلــك تقــدم الصبــي إليهــا وكــان فــي حــال السكــر وأخــذ رجليهــا وجعلهـا فـي وسطـه وهـي شبكــت يدهــا فــي عنقــه واستقبلتــه بتقبيــل وشهيــق وغنــج ومــص لسانهــا ومصــت لسانــه فــأزال بكارتهــا فلمـــا رأت الجاريتـــان سيدهمـــا الصغيـــر داخـــلاً علـــى الجاريـــة أنيـــس الجليـس صرختـا وكـان قـد قضــى الصبــي حاجتــه وفــر هاربــاً للنجــاة مــن الخــوف عقــب الفعــل الــذي فعله.
فلمـــا سمعـــت سيـــدة البيـــت صـــراخ الجاريتيـــن مضـــت مـــن الحمـــام والعـــرق يقطـــر منهـــا وقالــــت: مــــا سبـب هـذا الصـراخ الـذي فـي الـدار فلمـا قربــت مــن الجاريتيــن اللتيــن أقعدتهمــا علــى بــاب المقصــورة قالــت لهمــا: ويلكمــا مــا الخبــر فلمــا رأياهــا قالتـــا: إن سيـــدي نـــور الديـــن جـــاء وضربنـــا فهربنـــا منـــه فدخل أنيس الجليس وعانقها ولا ندري أي شيء عمل بعد ذلك فلما صحا هرب.
فعنـــد ذلـــك تقدمـــت سيـــدة البيــــت إلــــى أنيــــس الجليــــس وقالــــت لهــــا: مــــا الخبــــر فقالــــت لهــــا: يــــا === سيدتــي أنــا قاعــدة وإذا بصبــي جميــل الصــورة دخــل علــي وقــال لـــي: أنـــت التـــي اشتـــراك أبـــي لـــي فقلـت نعـم واللــه يــا سيدتــي اعتقــدت أن كلامــه صحيــح فعنــد ذلــك أتــى إلــي وعانقنــي فقالــت لهــا: هــل فعــل بــك شــيء غيــر ذلــك قالــت: نعــم وأخــذ منــي ثلـــاث قبلـــات فقالـــت: مـــا تركـــك مـــن غيـــر افتضــاض.
ثــم بكــت ولطمــت علــى وجههــا هــي والجــواري خوفــاً علــى علــي نـــور الديـــن أن يذبحـــه أبـوه.
فبينمـا هـم كذلـك وإذا بالوزيـر دخــل وســأل عــن الخبــر فقالــت لــه زوجتــه: أحلــف أن مــا أقولــه لــك تسمعــه قــال: نعــم فأخبرتــه بمــا فعلــه ولــده فحــزن ومــزق ثيابــه ولطــم علـــى وجهـــه ونتـــف لحيتـــه فقالــت لــه زوجتــه: لا تقتــل نفســك أنــا أعطيــك مــن مالــي عشــرة آلــاف دينــار ثمنهــا فعنــد ذلــك رفـــع رأسـه إليهـا وقـال لهـا: ويلـك أنـا مـا لـي حاجـة بثمنهـا ولكـن خوفـي أن تـروح روحـي ومالـي فقالـت لــه: يــا سيــدي مــا سبــب ذلــك فقــال لهــا: أمــا تعلميــن أن وراءنــا هــذا العـــدو الـــذي يقـــال لـــه: المعيـــن بـــن ســاوي ومتــى سمــع هــذا الأمــر تقــدم إلــى السلطــان وقـــال لـــه.
.
وأدرك شهـــرزاد الصبـــاح فسكتـــت عن الكلام المباح.