الف ليلة و ليلة 4

الف ليلة و ليلة 4

وفي الليلة الثانية

وقالــت دنيــازاد لأختهــا شهــرزاد: يــا أختــي أتممــي لنــا حديثــك الــذي هــو حديــث التاجـــر والجنـــي.
=== قالــت حبــاً وكرامــة إن أذن لــي الملــك فــي ذلــك فقــال لهـــا الملـــك: احكـــي فقالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيــد ذو الــرأي الرشيــد أنــه لمــا رأى بكــاء العجــل حــن قلبــه إليــه وقــال للراعــي: ابــق هـــذا العجـــل بيـن البهائـم.
كـل ذلـك والجنـي يتعجـب مـن حكايـة ذلــك الكلــام العجيــب ثــم قــال صاحــب الغزالــة: يــا سيـد ملـوك الجـان كـل ذلـك جـرى وابنـة عمـي هـذه الغزالــة تنظــر وتــرى وتقــول اذبــح هــذا العجــل فإنــه سميــن فلــم يهــن علــي أن أذبحــه وأمــرت الراعــي أن يأخــذه وتوجــه بــه ففــي ثانــي يــوم وأنــا جالـــس وإذا بالراعي أقبل علي وقال: يـا سيـدي إنـي أقـول شيئـاً تســر بــه ولــي البشــارة.
فقلــت: نعــم فقــال: أيهــا التاجــر إن لــي بنتــاً كانــت تعلمــت السحــر فــي صغرهــا مــن امــرأة عجـــوز كانـــت عندنـــا فلمـــا كنـــا بالأمـــس وأعطيتنـــي العجـــل دخلـت بـه عليهـا فنظـرت إليـه ابنتــي وغطــت وجههــا وبكــت ثــم إنهــا ضحكــت وقالــت: يــا أبــي قــد خـس قـدري عنـدك حتــى تدخــل علــي الرجــال الأجانــب.
فقلــت لهــا: وأيــن الرجــال الأجانــب ولمــاذا بكيت وضحكت فقالــت لــي أن هــذا العجــل الــذي معــك ابــن سيــدي التاجــر ولكنـــه مسحـــور وسحرتـــه زوجـــة أبيـــه هـو وأمـه فهــذا سبــب ضحكــي وأمــا سبــب بكائــي فمــن أجــل أمــه حيــث ذبحهــا أبــوه فتعجبــت مــن ذلـك غايـة العجـب ومـا صدقـت بطلـوع الصبـاح حتــى جئــت إليــك لأعلمــك فلمــا سمعــت أيهــا الجنــي === كلـام هـذا الراعـي خرجــت معــه وأنــا سكــران مــن غيــر مــدام مــن كثــرة الفــرح والســرور والــذي حصــل لـي إلـى أن أتيـت إلـى داره فرحبـت بـي ابنـة الراعـي وقبلـت يـدي ثـم إن العجـل جـاء إلــي وتمــرغ علــي فقلـت لابنـة الراعـي: أحـق مــا تقولينــه عــن ذلــك العجــل فقالــت: نعــم يــا سيــدي إيــه ابنــك وحشاشــة كبـــدك فقلـــت لهـــا: أيهـــا الصبيـــة إن أنـــت خلصتيـــه فلـــك عنـــدي مـــا تحـــت يـــد أبيــــك مــــن المواشــــي والأموال فتبسمت وقالت: يا سيدي ليس لي رغبة في المال إلا بشرطين: الـــأول: أن تزوجنـــي بـــه والثانـــي: أن أســــر مــــن سحرتــــه وأحبسهــــا وإلا فلســــت آمــــن مكرهــــا فلمــــا سمعــت أيهــا الجنــي كلــام بنــت الراعــي قلــت: ولــك فــوق جميــع مــا تحــت يــد أبيــك مــن الأمــوال زيـــادة وأما بنت عمي فدمها لك مباح.
فلمـــا سمعـــت كلامـــي أخـــذت طاســــة وملأتهــــا مــــاء ثــــم أنهــــا عزمــــت عليهــــا ورشــــت بهــــا العجــــل وقالت: إن كــان اللــه خلقــك عجــلاً فــدم علــى هــذه الصفــة ولا تتغيــر وإن كنــت مسحــوراً فعــد إلــى خلقتـــك الأولـى بـإذن اللـه تعالـى وإذا بـه انتفـض ثـم صـار إنسانـاً فوقعـت عليـه وقلـت لـه: باللـه عليـك احـك لــي جميـع مـا صنعـت بـك وبأمـك بنـت عمـي فحكـى لـي جميـع مـا جـرى لهمـا فقلـت: يـا ولـدي قــد قيــض الله لـك مـن خلصـك وخلـص حقـك ثـم إنـي أيهـا الجنـي زوجتـه ابنـة الراعـي ثـم أنهـا سحـرت ابنـة عمـي === هـذه الغزالـة وجئـت إلـى هنــا فرأيــت هــؤلاء الجماعــة فسألتهــم عــن حالهــم فأخبرونــي بمــا جــرى لهــذا التاجـر فجلسـت لأنظـر مـا يكـون وهـذا حديثـي فقـال الجنـي: هـذا حديـث عجيــب وقــد وهبــت لــك ثلـث دمـه فعنـد ذلـك تقـدم الشيـخ صاحـب الكلبتيـن السلاقيتيـن وقـال لـه: اعلـم يــا سيــد ملــوك الجــان أن هاتيـن الكلبتيـن أخوتـي وأنـا ثالثهـم ومـات والـدي وخلـف لنـا ثلاثـة آلـاف دينــار ففتحــت دكانــاً أبيــع فيـه وأشتـري وسافـر أخـي بتجارتـه وغـاب عنـا مـدة سنـة مـع القوافـل ثـم أتـى ومـا معــه شــيء فقلــت لــه: يــا أخــي أمــا أشــرت عليــك بعــدم السفــر فبكــى وقــال: يــا أخــي قــدر اللــه عــز وجــل علــي بهــذا ولـم يبـق لهـذا الكلـام فائـدة ولســت أملــك شيئــاً فأخذتــه وطلعــت بــه إلــى الدكــان ثــم ذهبــت بــه إلــى الحمــام وألبستــه حلــة مــن الملابــس الفاخــرة وأكلــت أنــا وإيـــاه وقلـــت لـــه: يـــا أخـــي إنـــي أحســـب ربـــح دكانـي مـن السنـة إلـى السنـة ثـم أقسمـه دون رأس المـال بينــي وبينــك ثــم إنــي عملــت حســاب الدكــان مـن بربـح مالـي فوجدتـه ألفـي دينـار فحمـدت اللـه عـز وجـل وفرحـت غايـة الفـرح وقسمـت الربـح بينــي وبينـه شطريـن وأقمنـا مـع بعضنـا أيامـاً ثـم إن أخوتــي طلبــوا السفــر أيضــاً وأرادوا أن أسافــر معهــم فلــم أرض وقلـت لهـم: أي شـيء كسبتـم مـن سفركـم حتـى أكسـب أنــا فألحــوا علــي ولــم أطعهــم بــل أقمنــا فـي دكاكيننـا نبيـع ونشتـري سنـة كاملـة وهـم يعرضـون علــي السفــر وأنــا لــم أرض حتــى مضــت ســت سنوات كوامل.
=== ثـم وافقتهــم علــى السفــر وقلــت لهــم: يــا أخوتــي إننــا نحســب مــا عندنــا مــن المــال فحسبنــاه فــإذا هــو ستــة آلــاف دينــار فقلــت: ندفــن نصفهــا تحــت الــأرض لينفعــا إذا أصابنــا أمــر ويأخــذ كـــل واحـــد منـــا ألــف دينــار ونتسبــب فيهـــا قالـــوا: نعـــم الـــرأي فأخـــذت المـــال وقسمتـــه نصفيـــن ودفنـــت ثلاثـــة آلـــاف دينــار.
وأمــا الثلاثــة آلــاف الأخــرى فأعطيــت كــل واحــد منهـــم ألـــف دينـــار وجهزنـــا بضائـــع واكترينـــا مركبـاً ونقلنـا فيهـا حوائجنـا وسافرنـا مـدة شهـر كامــل إلــى أن دخلنــا مدينــة وبعنــا بضائعنــا فربحنــا فــي الدينـار عشـرة دنانيـر ثـم أردنـا السفــر فوجدنــا علــى شاطــئ البحــر جاريــة عليهــا خلــق مقطــع فقبلــت يـــدي وقالـــت: يـــا سيـــدي هـــل عنـــدك إحســـان ومعـــروف أجازيـــك عليهمـــا قلـــت: نعــــم إن عنــــدي الإحسان والمعروف ولو لـم تجازينـي فقالـت: يـا سيـدي تزوجنـي وخذنـي إلـى بلـادك فإنـي قـد وهبتـك نفســي فافعــل معــي معروفـــاً لأنـــي ممـــن يصنـــع معـــه المعـــروف والإحســـان ويجـــازي عليهمـــا ولا يغرنـــك حالـي.
فلمــا سمعــت كلامهــا حــن قلبــي إليهــا لأمــر يريــده اللــه عــز وجــل فأخذتهــا وكسوتهــا وفرشــت لهــا فــي المركــب فرشــاً حسنــاً وأقبلــت عليهــا وأكرمتهــا ثــم سافرنــا وقــد أحبهـــا قلبـــي محبـــة عظيمـــة وصـرت لا أفارقهــا ليــلاً ولا نهــاراً أو اشتغلــت بهــا عــن إخوتــي فغــاروا منــي وحسدونــي علــى مالــي وكثـرت بضاعتـي وطمحـت عيونهـم فـي المـال جميعــه وتحدثــوا بقتلــي وأخــذ مالــي وقالــوا: نقتــل أخانــا ويصيــر المــال جميعــه لنــا وزيــن لهــم الشيطــان أعمالهــم فجاؤونــي وأنـــا نايـــم بجانـــب زوجتـــي ورمونـــي === فــي البحــر فلمــا استيقظــت زوجتـــي انتفضـــت فصـــارت عفريتـــة وحملتنـــي وأطلعتنـــي علـــى جزيـــرة وغابـت عنــي قليــلاً وعــادت إلــي عنــد الصبــاح وقالــت لــي: أنــا زوجتــك التــي حملتــك ونجيتــك مــن القتـل بـإذن اللـه تعالـى واعلـم أنـي جنيـة رأيتـك فحبـك قلبـي وأنـا مؤمنـة باللـه ورسولــه فجئتــك بالحــال الـذي رأيتنـي فيـه فتزوجـت بــي وهــا أنــا قــد نجيتــك مــن الغــرق وقــد غضبــت علــى إخوتــك ولا بــد أن أقتلهــم.
فلمــا سمعــت حكايتهــا تعجبــت وشكرتهــا علــى فعلهــا وقلــت لهــا أمــا هلــاك إخوتــي فــلا ينبغي ثم حكيت لها ما جرى لي معهم من أول الزمان إلى آخره.
فلمــا سمعــت كلامــي قالــت: أنــا فــي هــذه الليلــة أطيــر إليهــم وأغـــرق مراكبهـــم وأهلكهـــم فقلـــت لهـــا: باللـه لا تفعلـي فـإن صاحــب المثــل يقــول: يــا محسنــاً لمــن أســاء كفــي المســيء فعلــه وهــم إخوتــي علــى كــل حــال قالـــت لا بـــد مـــن قتلهـــم فاستعطفتهـــا ثـــم أنهـــا حملتنـــي وطـــارت فوضعتنـــي علـــى سطـــح داري ففتحـت الأبـواب وأخرجـت الـذي خبأتـه تحــت الــأرض وفتحــت دكانــي بعــد مــا سلمــت علــى النـــاس واشتريـــت بضائـــع فلمـــا كـــان الليـــل دخلـــت داري فوجـــدت هاتيـــن الكلبتيـــن مربوطتيــــن فيهــــا فلمـا رأيانـي قامـا إلـي وبكيـا وتعلقـا بـي فلـم أشعـر إلا وزوجتـي قالـت هــؤلاء إخوتــك فقلــت مــن فعــل بهـم هـذا الفعـل قالـت أنـا أرسلـت إلـى أختـي ففعلـت بهـم ذلـك ومـا يتخلصــون إلا بعــد عشــر سنــوات فجئــت وأنــا سائــر إليهــا تخلصهــم بعــد إقامتهـــم عشـــر سنـــوات فـــي هـــذا الحـــال فرأيـــت هـــذا الفتـــى === قــال الجنــي: إنهــا حكايــة عجيبــة وقــد وهبــت لــك ثلــث دمــه فــي جنايتــه فعنـــد ذلـــك تقـــدم الشيـــخ الثالــث صاحــب البغلــة وقــال للجنــي أنــا أحكــي لــك حكايــة أعجــب مــن حكايــة الاثنيـــن وتهـــب لـــي باقـي دمــه وجنايتــه فقــال الجنــي نعــم فقــال الشيــخ أيهــا السلطــان ورئيــس الجــان إن هــذه البغلــة كانــت زوجتـي سافـرت وغبــت عنهــا سنــة كاملــة ثــم قضيــت سفــري وجئــت إليهــا فــي الليــل فرأيــت عبــد أسـود راقـد معهـا فـي الفــراش وهمــا فــي كلــام وغنــج وضحــك وتقبيــل وهــراش فلمــا رأتنــي عجلــت وقامــت إلــي بكــوز فيــه مــاء فتكلمــت عليــه ورشتنــي وقالــت اخــرج مــن هــذه الصـــورة إلـــى صـــورة كلـب فصـرت فـي الحـال كلبـاً فطردتنـي مـن البيـت فخرجـت مـن البــاب ولــم أزل سائــراً حتــى وصلــت دكان جزار فتقدمت وصرت آكل من العظام.
فلمــا رآنــي صاحــب الدكــان أخذنــي ودخــل بــي بيتــه فلمــا رأتنــي بنــت الجــزار غطــت وجههــا منــي فقالــت أتجــيء لنــا برجــل وتدخــل علينــا بــه فقــال أبوهــا أيـــن الرجـــل قالـــت إن هـــذا الكلـــب سحرتـــه امـرأة وأنــا أقــدر علــى تخليصــه فلمــا سمــع أبوهــا كلامهــا قــال: باللــه عليــك يــا بنتــي خلصيــه فأخــذت كـــوزاً فيـــه مـــاء وتكلمـــت عليـــه ورشـــت علـــي منـــه قليـــلاً وقالـــت: اخـــرج مـــن هــــذه الصــــورة إلــــى صورتـك الأولـى فصــرت إلــى صورتــي الأولــى فقبلــت يدهــا وقلــت لهــا: أريــد أن تسحــري زوجتــي كمـا سحرتنــي فأعطتنــي قليــلاً مــن المــاء وقالــت إذا رأيتهــا نائمــة فــرش هــذا المــاء عليهــا فإنهــا تصيــر === كمـا أنـت طالـب فوجدتهــا نائمــة فرششــت عليهــا المــاء وقلــت اخرجــي مــن هــذه الصــورة إلــى صــورة بغلـة فصـارت فـي الحـال بغلـة وهـي هـذه التـي تنظرهـا بعينــك أيهــا السلطــان ورئيــس ملــوك الجــان ثــم التفــت إليهــا وقــال: أصحيــح هــذا فهــزت رأسهــا وقالــت بالإشــارة نعــم هــذا صحيــح فلمــا فـــرغ مـــن حديثـه اهتـز الجنـي مــن الطــرب ووهــب لــه باقــي دمــه وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عــن الكلــام المباح.
فقالـت لهـا أختهـا: يـا أختـي مـا أحلـى حديثـك وأطيبــه وألــذه وأعذبــه فقالــت: أيــن هــذا ممــا أحدثكــم بــه الليلــة القابلــة إن عشــت وأبقانــي الملــك فقــال الملــك: واللــه لا أقتلهــا حتــى أسمــع بقيــة حديثهـــا لأنـــه عجيـب ثـم باتـوا تلـك الليلـة متعانقيـن إلــى الصبــاح فخــرج الملــك إلــى محــل حكمــه ودخــل عليــه الوزيــر والعسكـر واحتبـك الديـوان فحكـم الملــك وولــى وعــزل ونهــى وأمــر إلــى آخــر النهــار ثــم انفــض الديــوان ودخل الملك شهريار إلى قصره.