الف ليلة و ليلة 131

الف ليلة و ليلة 131

وفي الليلة الرابعة عشرة بعد المئة

قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن العجــوز لمــا اتفقــت مــع مــن معهــا علــى الكلــام قالــت: فــإذا ألقــى إليكـــم الملـــك شركـــان سمعـــه فقولـــوا لـــه فلمـــا سمعنـــا هـــذا الكلـــام مـــن تلـــك الصـــورة علمنـــا أن ذلـــك العابـد مـن أكابـر الصالحيـن وعبـاد اللـه المخلصيـن فسافرنـا مـدة ثلاثـة أيــام ثــم رأينــا ذلــك الديــر فعرجنــا عليـه وملنـا إليـه وأقمنـا هنـاك يومـاً فـي البيـع والشـراء علـى عـادة التجــار فلمــا ولــى النهــار وأقبــل الليــل بالاعتكـــار عصدنـــا تلـــك الصومعـــة التـــي فيهـــا الســـرداب فسمعنـــاه بعـــد تلـــاوة الآيــــات ينشــــد هــــذه الأبيات: كيـداً أكايـده وصـدري ضيـق وجــرى بقلبــي بحرهــم مغــرق إن لم يكـن فـرج فمـوت عاجـل إن الحمــام مــن الرزايــا أرفـــق === كيف السبيل إلى اللقـاء وبيننـا تلك الحروب وباب رهن مغلق بلــغ أحبتنــا السلــام وقــل لهــم إنــي بديــر الــروم قــاص موثــق ثـم قالـت: إذا وصلتـم بـي إلـى عسكـر المسلميـن وصـرت أعـرف أدبـر حيلـة فـي خديعتهـم وقتلهـم عــن أخرهــم فلمــا سمــع النصــارى كلــام العجــوز قبلــوا يديهــا ووضعوهــا فـــي الصنـــدوق بعـــد أن ضربوهـــا أشــد الضربــات الموجعـــات تعظيمـــاً لهـــا لأنهـــن يـــرون طاعتهـــا مـــن الواجـــب ثـــم قصـــدوا بهـــا عسكـــر المسلمين كما ذكرنا.
هذا ما كان من أمر اللعينة ذات الدواهي ومن معها.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر عسكــر المسلميــن فإنهــم لمــا نصرهــم اللـــه علـــى أعدائهـــم وغنمـــوا مـــا كـــان فـــي المراكــب مــن الأمــوال والذخائــر قعــدوا يتحدثــون مــع بعضهــم فقــال ضــوء المكـــان لأخيـــه: إن اللـــه عـــز وجـل قــد نصرنــا بسبــب عذلنــا وانقيادنــا لبعضنــا فكــن يــا شركــان ممتثــلاً أمــري فــي طاعــة اللــه فقــال شركـان: حبــاً وكرامــة ومــد يــده إلــى أخيــه وقــال: إن جــاءك ولــد أعطيتــه ابنتــي قضــى فكــان ففــرح بذلــك وصــار يهنــئ بعضهــم بعضــاً بالنصــر علــى الأعــداء وهنــا الوزيـــر دنـــدان شركـــان وقـــال لهمـــا: اعلمــا أيهــا الملكــان أن اللــه عــز وجــل نصرنــا حيــث وهبنـــا أنفسنـــا وهجرنـــا الأهـــل والأوطـــان والـــرأي عنـــدي أن نرحـــل وراءهـــم ونحاصرهـــم ونقاتلهـــم لعـــل اللـــه أن يبلغنـــا مرادنـــا ونستأصـــل أعداءنــــا وإن شئتـم فانزلـوا فـي هـذه المراكـب وسيـروا فـي البحـر ونحـن نسيــر فــي البــر ونصبــر علــى القتــال والطعــن === أطيب الطيبـات قتـل الأعـادي واحتمـال علــى ظهــور الجيــاد ورسـول يأتــي بوعــد حبيــب وحبيـــب يأتــــي بــــلا ميعــــاد وقال آخر: وإن عمرت جعلت الحرب والدة والمشرفـي أخـا والسمهـري أبـا بكل أشعث يلقي الموت مبتسماً حتـى كـان لـه فــي قتلــه إربــا فلمــا فــرغ الوزيــر دنـــدان مـــن شعـــره قـــال: سبحـــان مـــن أيدنـــا بنصـــره العزيـــز وأظفرنـــا بغنيمـــة الفضـــة والإبريـز ثـم أمـر ضــوء المكــان العسكــر بالرحيــل فسافــروا طالبيــن القسطنطينيــة وجــدوا فــي سيرهــم حتـى أشرفـوا علـى مـرج فسيـح وفيـه كـل شـيء مليـح مـا بيـن وحـوش تمـرح وغزلــان تسنــح وكانــوا قــد قطعـوا مغــاور كثيــرة وانقطــع عنهــم المــاء ستــة أيــام فلمــا أشرفــوا علــى ذلــك المــرج نظــروا تلــك العيــون النابعــة والأثمــار اليانعــة وتلــك الــأرض كأنهـــا جنـــة أخـــذت زخرفهـــا وازّينـــت وسكـــرت أغصانهـــا مـــن رحيق الظل فتمايلت وجمعت بين عذوبة التنسيم فتدهش العقل والناظر كما قال الشاعر: انظر إلى الـروض النضيـر كأنمـا نشــرت عليــه مــلاءة خضــراء إن ما سنحت بلحظ عينك لا ترى إلا غديـــراً جــــال فيــــه المــــاء وترى بنفسك عـزة فـي دوحـة إذ فوق رأسك حيث سرت لواء === النهـــر خـــد بالشعـــاع مــــورد قد دب فيـه عـذار ظـل البـان والماء في سوق الغصون خلاخل مــن فضــة والزهــر كالتيجـــان فلمــا نظـــر ضـــوء المكـــان إلـــى ذلـــك المـــرج الـــذي التفـــت أشجـــاره وزهـــت أزهـــاره وترنمـــت أطيـــاره نـادى أخـاه شركـان وقـال لــه: إن دمشــق مــا فيهــا مثــل هــذا المكــان فــلا نرحــل منــه إلا بعــد ثلاثــة أيــام نأخذ راحة لأجل أن تنشط عساكر الإسلام وتقوي نفوسهم على لقاء الكفرة اللئام فأقاموا فيه.
فبينمـا هــم كذلــك إذ سمعــوا أصواتــاً مــن بعيــد فســأل عنهــم ضــوء المكــان فقيــل أنهــا قافلــة تجــار مــن بلــاد الشــام كانــوا نازليــن فــي هــذا المكــان للراحــة ولعــل العساكــر صادفوهــم وربمــا أخــذوا شيئـــاً مـــن بضائعهـــم التـــي معهـــم حيـــث كانـــوا فـــي بلـــاد الكفـــار وبعـــد ساعـــة جـــاء التجـــار وهــــم صارخــــون يستغيثــون بالملــك فلمـــا رأى ضـــوء المكـــان ذلـــك أمـــر بإحضارهـــم فحضـــروا بيـــن يديـــه وقالـــوا: أيهـــا الملــك إنــا كنــا فــي بلــاد الكفــار ولــم ينهبــوا منــا شيئــاً فكيــف تنهــب أموالنـــا أخواننـــا المسلمـــون ونحـــن أخبرناك بما حصل لنا ثـم أخرجـوا لـه كتـاب ملـك القسطنطينيــة فأخــذه شركــان وقــرأه ثــم قــال لهــم: ســوف نــرد عليكــم مــا أخــذ منكــم ولكــن كــان مــن الواجــب أن لا تحملـــوا تجـــارة إلـــى بلـــاد الكفـــار فقالـــوا: يـــا مولانـــا إن اللـــه سيرنـا إلـى بلادهـم لنظفـر بمـا لـم يظفـر بـه أحـد مـن الغـزاة ولا أنتـم فـي غزوتكـم فقــال لــه شركــان: ومــا === الـذي ظفرتـم بـه فقالـوا: مـا نذكـر لـك ذلـك إلا فـي خلـوة لـن هـذا الأمــر إذا شــاع بيــن النــاس ربمــا اطلــع عليـه أحـد فيكـون ذلـك سببــاً لهلاكنــا وهلــاك كــل مــن توجــه إلــى بلــاد الــروم مــن المسلميــن وكانــوا قــد خبئـــوا الصنـــدوق الـــذي فيـــه اللعينـــة ذات الداوهـــي فأخذهـــم ضــــوء المكــــان وأخــــوه واختليــــا بهــــم فشرحــوا لهمــا حديــث الزاهــد وصــاروا يبكــون حتــى أبكوهمــا.
وأدرك شهــرزاد الصبــاح فسكتــت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الخامسة عشرة بعد المئة قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيــد أن النصــارى الذيــن فــي هيئــة التجــار لمــا اختلــى بهــم ضــوء المكــان وأخـــوه شركـــان شرحـــوا لهمــــا حديــــث الزاهــــد وبكــــوا حتــــى أبكوهمــــا وأخبروهمــــا كمــــا أعلمتهــــم الكاهنـة ذات الدواهـي فـرق قلـب شركـان للزاهــد وأخذتــه الرأفــة عليــه وقامــت بــه الحميــة للــه تعالــى وقـال لهـم: هـل خلصتـم هـذا الزاهـد أم هــو فــي الديــر إلــى الــآن فقالــوا: بــل خلصنــاه وقتلنــا صاحــب الديـر مـن خوفنـا علـى أنفسنـا ثـم أسرعنـا فـي الهـرب خوفـاً مــن العطــب وقــد أخبرنــا بعــض الثقــات أن في هذا الدير قناطير من الذهب والفضة والجواهر.
وبعــد ذلــك أتــوا بالصنــدوق وأخرجــوا منــه تلــك الملعونــة كأنهـــا قـــرن خيـــار شنبـــر مـــن شـــدة الســـواد === والنحـول وهـي مكبلـة بتلــك السلاســل والقيــود فلمــا نظرهــا ضــوء المكــان هــو والحاضــرون ظنــوا أنهــا رجـل مـن خيــار العبــاد ومــن أفضــل الوهــاد خصوصــاً وجبينهــا يضــيء مــن الدهــان الــذي دهنــت بــه وجههـــا فبكـــى ضـــوء المكـــان وأخـــوه شركـــان بكـــاء شديـــداً ثـــم قامـــوا إليهـــا وقبـــلا يديهـــا ورجليهــــا وصــارا ينتحبــان فأشــارت إليهمــا وقالــت: اعلمــا أنــي قــد رضيــت بمــا صنعــه بــي مولــاي لأنــي أرى أن البــلاء الــذي حــل بــي لأجــل أن أمــوت تحــت حوافــر خيــل المجاهديــن الذيــن هــم بعــد القتـــل أحيـــاء غير أموات ثم أنشدت هذه الأبيات: الحصن طور ونار الحرب موقدة وأنت موسى وهذا الوقت ميقات ألق العصا تتلقف كل ما صنعوا ولا تخف ما حبال القوم حيات فاقرأ سطور العدا يوم الوغى سورا فإن سيفك في الأعنـاق آيـات فلمـا فرغـت العجــوز مــن شعرهــا تناثــرت مــن عينيهــا المدامــع وجبينهــا بالدهــان كالضــوء اللامــع فقــام إليهـا شركـان وقبـل يدهـا وأحضـر لهـا الطعــام فامتنعــت وقالــت: إنــي لــم أفطــر مــن مــدة خمســة عشــر عامـاً فكيـف أفطـر فـي هـذه الساعـة وقـد جـاد علـى المولـى بالخلـاص مـن أسـر الكفـار ودفــع عنــي مــا هو أشق من عذاب النار فأنا أصبر إلى الغروب.
فلمــا جــاء وقــت العشــاء أقبــل شركـــان هـــو وضـــوء المكـــان وقدمـــا إليهـــا الأكـــل وقـــالا لهـــا: كـــل أيهـــا === الزاهـد فقالـت: مـا هـذا وقـت الأكـل وإنمـا هـذا وقـت عبـادة الملــك الديــان.
ثــم انتصبــت فــي المحــراب تصلـي إلـى أن ذهـب الليـل ولـم تـزل علـى هـذه الحالـة ثلاثـة أيـام بلياليهـا هــي لا تقعــد إلا وقــت التحيــة فلمــا رآهــا ضــوء المكــان علــى تلــك الحالــة ملــك قلبــه حســن الاعتقــاد فيهـــا وقـــال لشركـــان: اضـــرب خيمـة مـن الأديـم لذلـك العابـد ووكـل فراشــاً بخدمتــه وفــي اليــوم الرابــع دعــت بالطعــام فقدمــوا لهــا مــن الألــوان مــا تشتهــي الأنفــس وتلــذ الأعيــن فلــم تأكــل مــن ذلــك كلــه إلا رغيفـــاً واحـــداً ثـــم نـــوت الصـــوم ولمــا جــاء الليــل قامــت إلــى الصلــاة فقــال شركــان لضــوء المكــان: أمـــا هـــذا الرجـــل فقـــد زهـــد الدنيـــا غايــة الزهـــد ولـــولا هـــذا الجهـــاد لكنـــت لازمتـــه وأعبـــد اللـــه بخدمتـــه حتـــى ألقـــاه وقـــد اشتهيـــت أن أدخــل معــه الخيمــة وأتحــدث معــه ساعـــة فقـــال لـــه ضـــوء المكـــان: وأنـــا كذلـــك ولكـــن نحـــن فـــي غـــد ذاهبــون إلــى غــزو القسطنطينيــة ولــم نجـــد لنـــا مثـــل هـــذه الساعـــة فقـــال الوزيـــر دنـــدان: وأنـــا الآخـــر اشتهــي أن أرى ذلــك الزاهــد لعلــه يدعـــو لـــي بقضـــاء نحبـــي فـــي الجهـــاد ولقـــاء ربـــي فإنـــي زهـــدت الدنيا.
فلمــا جــن الليــل دخلــوا علــى تلــك الكاهنــة ذات الدواهــي فـــي خيمتهـــا فرأوهـــا قائمـــة تصلـــي فدنـــوا منهـا وصـاروا يبكـون رحمـة لهـا وهـي لا تلتفـت إليهـم إلــى أن انتصــف الليــل فسلمــت مــن صلاتهــا ثــم أقبلــــت عليهــــم وحيتهــــم وقالــــت لهــــم: لمــــاذا جئتــــم فقالــــوا لهــــا: أيهــــا العابــــد أمــــا سمعــــت بكاءنــــا === حولـك فقالـت: إن الـذي يقـف بيـن يـدي اللـه لا يكــون لــه وجــود فــي الكــون حتــى يسمــع صــوت أحــد أو يـراه ثـم قالـوا: إننـا نشتهـي أن تحدثنـا بسبــب أســرك وتدعــو لنــا فــي هــذه الليلــة فإنهــا خيــر لنــا مــن ملـك القسطنطينيـة فلمـا سمعـت كلامهــم قالــت: واللــه لــولا أنكــم أمــراء المسلميــن مــا أحدثكــم بشــيء من ذلك أبداً فإني لا أشكو إلا إلى الله وها أنا أخبركم بسبب أسري: اعلمــوا أننــي كنــت فــي القــدس مــع بعــض الأبــدال وأربــاب الأحــوال وكنــت لا أتكبــر عليهـــم لـــأن اللـــه سبحانـه وتعالـى أنعـم علـي بالتواضـع والزهـد فاتفـق أننـي توجهـت إلـى البحـر ليلـة ومشيـت علــى المــاء فداخلنـي العجـب مـن حيـث لا أدري وقلـت فـي نفسـي: مـن مثلـي يمشـي علـى المــاء فقســا قلبــي مــن ذلــك الوقــت وابتلانــي اللــه تعالــى بحــب السفــر فسافــرت إلــى بلــاد الــروم وجلــت فــي أقطارهــا سنـــة كاملـة حتــى لــم أتــرك موضعــاً إلا عبــدت اللــه فيــه فلمــا وصلــت إلــى هــذا المكــان صعــدت إلــى هــذا الجبــل وفيــه ديــر راهــب يقــال لــه مطروحنــا فلمـــا رآنـــي خـــرج إلـــي وقبـــل يـــدي ورجلـــي وقـــال: إنـــي رأيتك منذ دخلـت بلـاد الـروم وقـد شوقنـي إلـى بلـاد الإسلـام ثـم أخـذ بيـدي وأدخلنـي فـي ذلـك الديـر ثم دخل بي إلى بيت مظلم فلمـا دخلـت غافلنـي وأغلـق البـاب علـي وتركنـي فيـه أربعيـن يومـاً مـن غيـر طعـام ولا شـراب وكـان قصـده بذلـك قتلـي صبـراً فاتفـق فـي بعـض الأيـام أنــه دخــل ذلــك الديــر بطريــق يقــال لــه دقيانــوس ومعــه عشــرة مــن الغلمــان ومعــه ابنــة يقــال لهــا تماثيــل ولكنهــا فــي الحســـن ليـــس لهـــا === وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة السادسة عشرة بعد المئة

قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيـــد أن العجـــوز ذات الدواهـــي قالـــت: إن البطريـــق دخـــل علـــي ومعـــه عشــرة مــن الغلمــان ومعــه ابنــة غايــة فــي الجمــال ليــس لهــا مثيــل فلمــا دخلـــوا الديـــر أخبرهـــم الراهـــب مطروحنــا بخبــري فقــال البطريــق: أخرجــوه لنــه لــم يبــق مــن لحمــه مــا يأكلـــه الطيـــر ففتحـــوا بـــاب ذلـــك البيـت المظلـم فوجدونـي منتصبـاً فـي المحربـا أصلـي وأقـرأ وأسبـح وأتضـرع إلـى اللـه تعالـى فلمــا سمعــوا كلامـه قامـوا جميعـاً ودخلــوا علــي وأقبــل علــي دقيانــوس هــو وجماعتــه وضربونــي ضربــاً عنيفــاً فعنــد ذلـك تمنيـت المـوت ولمـت نفسـي وقلـت: هــذا جــزاء مــن يتكبــر ويعجــب بمــا أنعــم عليــه ربــه ممــا ليــس فـي طاقتـه وأنـت يــا نفســي قــد داخلــك العجــب والكبــر أمــا علمــت أن الكبــر يغضــب الــرب ويقســي القلـب ويدخـل الإنسـان فـي النـار ثـم بعـد ذلـك قيدونـي وردونـي إلـى مكانــي وكــان سردابــاً فــي ذلــك البيـت تحـت الــأرض وكــل ثلاثــة أيــام يرمــون إلــي قــرص مــن الشعيــر وشربــة مــاء وكــل شهــر أو شهريــن يأتـي البطريـق ويدخـل ذلـك الديــر وقــد كبــرت ابنتــه تماثيــل لأنهــا كانــت بنــت تســع سنيــن حيــن رأيتهــا ومضـى لـي فـي الأسـر خمـس عشـرة سنـة فجملـة عمرهـا أربعـة وعشـرون عامـاً وليـس فـي بلادنـا ولا === فـي بلـاد الـروم أحســن منهــا وكــان أبوهــا يخــاف عليهــا مــن الملــك أن يأخذهــا منــه لأنهــا وهبــت نفسهــا للمسيـح غيـر أنهـا تركـب مـع أبيهـا فـي زي الرجـال الفرسـان وليـس لهــا مثيــل فــي الحســن ولــم يعلــم مــن رآهــا أنهــا جاريــة وقــد خــزن أبوهــا أموالــه فــي هــذا الديــر لــأن كــل مــا كــان عنــده شــيء مـــن نفائـــس الذخائــر يضعــه فــي ذلــك الديــر وقــد رأيــت فيــه مــن أنــواع الذهــب والفضــة والجواهـــر وسائـــر الألـــوان والتحف ما لا يحصي عدده إلا الله.
فأنتـــم أولـــى بـــه مـــن هـــؤلاء الكفـــرة فخـــذوا مـــا فـــي هـــذا الديـــر وأنفقـــوه علـــى المسلميـــن وخصوصـــاً المجاهديـن.
ولمـا وصـل هـؤلاء التجـار إلـى القسطنطينيــة وباعــوا بضاعتهــم كلمتهــم تلــك الصــورة التــي فـي الحائـط كرامـة أكرمنـي اللـه بهـا فجــاؤوا إلــى ذلــك الديــر وقتلــوا البطريــق مطروحنــا بعــد أن عاقبــوه أشــد العقــاب وشــدوه مــن لحيتــه فدلهــم علــى موضعــي فأخذونــي ولـــم يكـــن لهـــم سبيـــل إلا الهـــرب خوفـاً مـن العطـب.
وفـي ليلـة غـد تأتـي تماثيـل إلـى ذلـك الديـر علـى عادتهـا ويلحقهــا أبوهــا مــع غلمانــه لأنـه يخـاف عليهـا فـإن شئتـم أن تشاهــدوا هــذا الأمــر فخذونــي بيــن أيديكــم وأنــا أسلــم لكــم الأمــوال وخزانـة البطريـق دقيانـوس التـي فـي ذلـك الجبـل وقـد رأيتهـم يخرجـون أوانــي الذهــب والفضــة يتسربــون فيهـا ورأيـت عندهـم جاريـة تغنـي لهـم بالعربـي فواحسرتــاه لــو كــان الصــوت الحســن فــي قــراءة القــرآن وإن شئتــم فادخلــوا هــذا الديــر واكمنــوا فيــه إلــى أن يصــل دقيانـــوس وتماثيـــل معـــه فخذوهـــا فإنهـــا لا === ففرحـــوا بذلـــك حيـــن سمعـــوا كلامهـــا إلا الوزيـــر دنـــدان فإنـــه مـــا دخـــل كلامهـــا فـــي عقلـــه وإنمـــا كــــان يتحـدث معهـا لأجـل خاطـر الملـك وصــار باهتــاً فــي كلامهــا ويلــوح علــى وجهــه علامــة الإنكــار عليهــا فقالــت ذات الدواهــي: إنــي أخــاف أن يقبــل البطريــق وينظــر هــذه العساكــر فـــي المـــرج فمـــا يجســـر أن يدخــــل الديــــر فأمــــر السلطــــان العسكــــر أن يرحلــــوا صــــوب القسطنطينيــــة وقــــال ضــــوء المكـــــان: إن قصــدي أن نأخــذ معنــا مائــة فــارس وبغــالاً كثيــرة ونتوجــه إلــى ذلــك الجبــل ونحملهـــم المـــال الـــذي فـــي الدير.
ثــم أرســل مــن وقتــه وساعتــه إلــى الحاجــب الكبيــر فأحضـــره بيـــن يديـــه وأحضـــر المقدميـــن والأتـــراك والديلــم وقــال: إذا كــان وقــت الصبــاح فارحلــوا إلــى القسطنطينيــة أنــت أيهــا الحاجــب تكـــون عوضـــاً عنـي فـي الـرأي والتدبيـر وأنـت يـا رستـم تكـون نائبـاً عـن أخــي فــي القتــال ولا تعلمــوا أحــد أننــا لسنــا معكــم وبعــد ثلاثــة أيــام نلحقكــم.
ثـــم انتخـــب مائـــة فـــارس مـــن الأبطـــال وانحـــاز هـــو وأخـــوه الوزيـــر دندان والمائة فارس وأخذوا معهم البغال والصناديق لأجل حمل المال.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السابعة عشرة بعد المئة === قالـت: بلغنـي أيهـا الملـك السعيـد أنـه لمـا أصبــح الصبــاح نــادى الحاجــب بيــن العسكــر بالرحيــل فرحلــوا وهم يظنون أن شركان وضوء المكان والوزير دندان معهم ولم يعلموا أنهم ذهبوا إلى الدير.
هــذا مــا كــان مــن أمرهــم.
وأمــا مــا كــان مــن أمــر شركــان وأخيــه ضــوء المكــان والوزيــر دنـــدان فإنهـــم أقامــوا إلــى آخــر النهــار وكــان الكفـــار أصحـــاب ذات الدواهـــي رحلـــوا خفيـــة بعـــد أن دخلـــوا عليهـــا