الف ليلة و ليلة 124

الف ليلة و ليلة 124

وفي الليلة السابعة والتسعين

قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الحاجــب لمــا أمــر الفراشيــن أن ينصبـــوا خيمـــة واسعـــة لاجتمـــاع النـاس عنــد الملــك نصبــوا خيمــة عظيمــة علــى عــادة الملــوك فلمــا فرغــوا مــن أشغالهــم وإذا بغبــار قــد طـار ثـم محـق الهـواء ذلـك الغبـار وبـان مـن تحتـه عسكـر جـرار وتبيـن أن ذلـك العسكــر عسكــر بغــداد وخراســان ومقدمــه الوزيــر دنــدان وكلهــم فرحــوا بسلطنـــة ضـــوء المكـــان وقابلهـــم لابســـاً خلعـــة الملـــك متقلــداً بسيــف الموكــب فقــدم لــه الحاجــب الفــرس فركــب وســار هــو ومماليكــه وجميــع مــن فــي الخيــام مشى في خدمتـه حتـى دخـل القبـة الكبيـرة وجلـس ووضـع النمشـة علـى فخذيـه ووقـف الحاجـب فـي خدمتـه بيـن يديـه ووقفـت مماليكـه فـي دهليـز الخيمـة وشهـروا فـي أيديهـم السيــوف ثــم أقبلــت العساكــر والجيــوش وطلبــوا الــإذن فدخــل الحاجــب واستــأذن لهــم ضــوء المكــان فأمــر أن يدخلـــوا عليـــه عشـــرة عشـرة فأعلمهـم الحاجـب بذلـك فأجابــوه بالسمــع والطاعــة ووقــف الجميــع علــى بــاب الدهليــز فدخــل === فمــا رأوه هابــوه فتلقاهــم أحســن ملتقــى ووعدهــم بكــل خيــر فهنئــوه بالسلامــة ودعــوا لــه وحلفـــوا لـــه الإيمــان الصادقــة أنهــم لا يخالفــون لــه أمــراً ثــم قبلــوا الــأرض بيــن يديــه وانصرفــوا ودخـــل عشـــرة آخريـــن ففعـل بهـم مثـل مـا فعـل بغيرهـم ولـم يزالـوا يدخلـون عشـرة بعـد عشـرة حتـى لـم يبـق غيــر الوزيــر دنــدان فدخــل عليــه وقبــل الــأرض بيــن يديــه فقــام إليــه ضــوء المكــان وأقبــل عليــه وقـــال لـــه: مرحبـــاً بالوزيـــر والوالـد الكبيـر.
إن فعلـك فعـل المشيـر العزيـز والتدبيـر بيـد اللطيــف الخبيــر ثــم إن الملــك ضــوء المكــان قال للوزير دندان: أؤمر العسكر بالإقامة عشرة أيام حتى أختلي بك وتخبرني بسبب قتل أبي.
فامتثـــل الوزيـــر قـــول السلطـــان وقـــال: لا بـــد مـــن ذلـــك ثـــم خـــرج إلـــى وســـط الخيـــام وأمــــر العسكــــر بالإقامـــة عشـــرة أيـــام فامتثلـــوا أمـــره ثـــم إن الوزيـــر أعطاهـــا إذنـــاً أنهـــم يتفرجـــون ولا يدخـــل أحـــد مــــن أربـاب الخدمـة عنـد الملـك مـدة ثلاثـة أيـام فتضـرع جميـع النــاس ودعــوا لضــوء المكــان بــدوام العــز.
ثــم أقبــل عليــه الوزيــر وأعلمــه بالــذي كــان فصبــر إلــى الليــل ودخــل علــى أختـــه نزهـــة الزمـــان وقـــال لهـــا: أعلمـت بسبـب قتـل أبـي ولـم نعلــم بسببــه كيــف كــان فقالــت: لــم أعلــم سبــب قتلــه ثــم إنهــا ضربــت لهـا ستـارة مـن حريـر وجلـس ضـوء المكــان خــارج الستــارة وأمــر بإحضــار الوزيــر دنــدان فحضــر بيــن يديــه فقــال لــه: أريــد أن تخبرنــي تفصيــلاً بسبــب قتــل أبــي الملـــك عمـــر النعمـــان لمـــا أتـــى مـــن الصيـــد والقنــص وجــاء إلــى المدينــة ســأل عنكمــا فلــم يجدكمــا فعلــم أنكمــا قــد قصدتمــا الحـــج فاغتـــم لذلـــك === وازداد بــه الغيــظ وضــاق صــدره وأقــام نصــف سنــة وهــو يستخبـــر عنكمـــا كـــل شـــارد ووارد فلـــم يخبره أحد عنكما.
فبينمـا نحـن بيــن يديــه يومــاً مــن الأيــام بعدمــا مضــى لكمــا سنــة كاملــة مــن تاريــخ فقدكمــا وإذا بعجــوز عليهـــا آثـــار العبـــادة قـــد وردت علينـــا ومعهـــا خمـــس جـــوار نهـــد أبكـــار كأنهـــن الأقمـــار وحويــــن مــــن الحســـن والجمـــال مـــا يعجـــز عـــن وصفـــه اللســـان ومـــع كمـــال حسنهـــن يقــــرأن القــــرآن ويعرفــــن الحكمــــة وأخبـار المتقدميـن فاستأذنـت تلـك العجـوز فـي الدخـول علـى الملـك فــأذن لهــا فدخلــت عليــه وقبلــت الــأرض بيــن يديــه وكنــت أنــا جالســاً بقــرب الملــك فلمــا دخلــت عليــه قربهــا إليـــه لمـــا رأى عليهـــا آثـــار الزهـــد والعبـــادة فلمـــا استقـــرت العجـــوز عنـــده أقبلـــت عليـــه وقالـــت لـــه: اعلـــم أيهـــا الملـــك أن معـــي خمــس جــوار مــا ملــك أحــد مــن الملــوك مثلهــن لأنهــن ذوات عقــل وجمـــال وحســـن وكمـــال يقـــرأن القـــرآن والروايــات ويعرفـــن العلـــوم وأخبـــار الأمـــم السالفـــة وهـــن بيـــن يديـــك وواقفـــات فـــي خدمتـــك يـــا ملـــك الزمــان وعنــد الامتحــان يكــرم المــرء أو يهـــان فنظـــر المرحـــوم والـــدك إلـــى الجـــواري مـــن أخبـــار النـــاس الماضين والأمم السابقين.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثامنة والتسعين === قالـت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر دنــدان قــال للملــك ضــوء المكــان: فتقدمــت واحــدة منهــن وقبلـت الـأرض بيـن يديـه وقالـت: اعلـم أيهـا الملـك أنـه ينبغـي لــذي الــأدب أن يتجنــب الفضــول ويتحلــى بالفضائـــل وأن يـــؤدي الفرائـــض ويبتعـــد عـــن الكبائـــر ويلـــازم ذلــــك ملازمــــة مــــن لــــو أفــــرد عنــــه لهلــــك وأســاس الــأدب مكــارم الأخلــاق واعلــم أن أسبــاب المعيشــة طلــب الحيــاة والقصــد مـــن الحيـــاة عبـــادة اللــه فينبغــي أن تحســـن خلقـــك مـــع النـــاس وأن لا تعـــدل عـــن تلـــك السنـــة فـــإن أعظـــم النـــاس خطـــراً أحوجهم إلى التدبير والملـوك أحـوج إليـه مـن السوقـة لـأن السوقـة قـد تفيـض فـي الأمـور مـن غيـر نظـر فـي العافيــة وأن تبــدل فــي سبيــل اللــه نفســك ومالـــك واعلـــم أن العـــدو خصـــم تخصيمـــه بالحجـــة وتحـــرز منه وأما الصديق فليس بينك وبينه قاض يحكم غير حسن الخلق.
فاختــر صديقــك لنفســـك بعـــد اختيـــاره فـــإن كـــان مـــن الإخـــوان الآخـــرة فليكـــن محافظـــاً علـــى أتبـــاع الظاهـــر مـــن الشعـــر عارفـــاً بباطنـــه علـــى حســـن الإمكـــان وإن كـــان مـــن إخـــوان الدنيـــا فليكـــن حـــراً صادقـاً ليـس بجاهـل ولا شريــر فــإن الجاهــل أهــل لــأن يبتعــد منــه أبوانــا والمنافــق لا يكــون صديقــاً لــأن الصديــق مأخــوذ مــن الصــدق الــذي يكـــون ناشئـــاً عـــن صميـــم القلـــب فكيـــف بـــه إذا أظهـــر الكـــذب علــى اللســان واعلــم أن أتبــاع الشــرع ينفـــع صاحبـــه فتـــودد لأخيـــك إذا كـــان بهـــذه الصفـــة ولا تقطعـــه وإن ظهـر لــك منــه مــا تكــره فإنــه ليــس كالمــرأة يمكــن طلاقهــا ومراجعتهــا بــل قلبــه كالزجــاج إذا تصــدع === احرص على صون القلوب من الأذى فرجوعهـا بعــد التنافــر يعســر إن القلـــوب إذا تنافــــر ودهــــا مثل الزجاجة كسرهـا لا يجبـر وقالـت الجاريـة فـي آخـر كلامهـا وهـي تشيـر إلينـا: إن أصحـاب العقــول قالــوا: خيــر الإخــوان أشدهــم فـي النصيحـة خيـر الأعمـال أجملهـا عاقبـة وخيـر الثنـاء مـا كـان علـى أفـواه الرجـال وقـد قيـل: لا ينبغــي للعبـد أن يغفــل عــن شكــر اللــه خصوصــاً علــى نعمتيــن العافيــة والعقــل وقيــل: مــن كرمــت عليــه نفســه هانـــت عليـــه شهرتـــه ومـــن عظـــم صغائـــر المصائـــب ابتلــــاه اللــــه بكبارهــــا ومــــن أطــــاع الهــــوى ضيــــع الحقـوق ومـن أطـاع الواشـي ضيـع الصديـق ومـن ظــن بــك خيــراً فصــدق ظنــه ومــن بالــغ فــي الخصومــة أثم ومن لم يحذر الحيف لم يأمن السيف.
وها أنا أذكر لك شيئاً من آداب القضاة.
اعلـم أيهــا الملــك أنــه لا ينفــع حكــم بحــق إلا بعــد التثبيــت وينبغــي للقاضــي أن يجعــل النــاس فــي منزلــة واحـدة حتـى لا يطمـع شريـف فـي الجـور ولا ييــأس ضعيــف مــن العــدل وينبغــي أيضــاً أن يجعــل البينــة علــى مــن ادعــى واليميــن علــى مــن أنكــر والصلــح جائــز بيــن المسلميــن إلا صلحــا أحــل حرمــاً أو حــرم حلـالاً ومـا شككـت فيـه اليـوم فراجـع فيـه عقلـك وتبيـن بــه رشــدك لترجــع فيــه إلــى الحــق فالحــق فــرع والرجـوع إلـى الحـق خيـر مـن التمـادي علـى الباطـل ثـم اعـرف الأمثـال وافقــه المقــال وســو بيــن الأخصــام فـي الوقـوف وليكـن نظـرك علـى الحـق موقوفـاً وفـوض أمـرك إلـى اللـه عـز وجــل واجعــل البينــة علــى مــن === ادعـى فـإن حضـرت بينتـه أخـذت بحقــه وإلا فحلــف المدعــى عليــه وهــذا حكــم اللــه.
واقبــل شهــادة عـدو المسلميـن بعضهـم علـى بعـض فـإن اللـه تعالـى أمـر الحكــام أن تحكــم بالظاهــر وهــو يتولــى السرائــر ولزامـاً علـى القاضـي أن يتوفـى الألــم والجــوع وأن يقصــد بقضائــه بيــن النــاس وجــه اللــه تعالــى فــإن مــن خلصت نيته وأصلح ما بينه وبين نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس.
وقــال الزهــري: ثلــاث إذا كـــن فـــي قـــاض: كـــان منعـــزلاً إذا أكـــرم اللئـــام وأحـــب المحامـــد وكـــره العـــزل.
وقـد عـزل عمـر بـن عبـد العزيـز قاضيـاً فقــال لــه: لــم عزلتنــي فقــال عمــر: قــد بلغنــي عنــك أن مقالــك أكبـر مـن مقامــك.
حكــي أن الإسكنــدر قــال لقاضيــه: إنــي وليتــك منزلــة واستودعتــك فيهــا روحــي وعرضـي ومروءتـي فاحفــظ هــذه المنزلــة لنفســك وعقلــك وقــال لطباخــه: إنــك مسلــط علــى جسمــي فارفـق بنفسـك فيـه وقـال لكاتبـه: إنـك متصـرف فـي عقلــي فحفظنــي فيمــا تكتبــه عنــي ثــم تأخــرت الجارية الأولى وتقدمت الثانية.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والتسعين قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الوزيــر دنــدان قـــال لضـــوء المكـــان: ثـــم تأخـــرت الجاريـــة الأولـــى وتقدمـت الثانيـة وقبلـت الـأرض بيـن يـدي الملـك والـدك سبـع مـرات ثـم قالـت: قــال لقمــان لابنــه: ثلاثــة === لا تعــرف إلا فــي ثلاثــة مواطــن لا يعــرف الحليــم إلا عنـــد الغضـــب ولا الشجـــاع إلا عنـــد الحـــرب ولا أخــوك إلا عنــد حاجتــك إليـــه.
وقيـــل: إن الظالـــم نـــادم وإن مدحـــه النـــاس والمظلـــوم سليـــم وإن ذمـــه النــاس.
وقــال اللــه تعالــى: ولا تحسبــن الذيــن يفرحــون بمــا أتــوا ويحبــون أن يحمــدوا بمــا لـــم يفعلـــوا فـــلا تحسبنهــم بمفــازة مــن العــذاب ولهــم عــذاب أليــم.
وقــال عليــه الصلــاة والسلــام: إنمـــا الأعمـــال بالنيـــات وإنمــا لكــل امــرئ مــا نــوى واعلــم أيهــا الملــك أن أعجــب مــا فــي الإنســان قلبــه لــأن بــه زمــام أمـــره فـــإن هــاج بــه الطمــع أهلكــه الحــرص وإن ملكــه الأســى قتلــه الأســف وإن عظــم عنــده الغضــب اشتــد بــه العطـــب وإن سعـــد بالـــرض أمـــن مـــن السخـــط وإن نالـــه الخـــوف شغلـــه الحــــزن وإن أصابتــــه مصيبــــة ضمنــه الجــزع وإن استفــاد مــالاً ربمــا اشتغـــل بـــه عـــن ذكـــر ربـــه وإن أغصتـــه فاقـــة أشغلـــه الهـــم وإن أجهــده الجــذع أقعــده الضعــف فعلــى كــل حالــة لا صلــاح لــه إلا بذكــر اللــه واشتغالــه بمــا فيـــه تحصيـــل معاشـــه وصلـــاح معـــاده.
وقيـــل لبعـــض العلمـــاء: مـــن أشــــر النــــاس حــــالاً قــــال: مــــن غلبــــت شهوتــــه مروءته وبعدت في المعالي همته فاتسعت معرفته وضاقت معذرته.
وما أحسن ما قاله قيس: وإني لأغني الناس عن متكلف يرى الناس ضلالاً وما هو مهتدي وما المـال والأخلـاق إلا معـارة فكل بما يخفيه في الصدر مرتدي إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ضللت وإذ تدخل من الباب تهتدي === ثــم إن الجاريــة قالــت: وأمــا أخبـــار الزهـــد فقـــد قـــال هشـــام بـــن بشـــر.
قلـــت لعمـــر بـــن عبيـــد: مـــا حقيقـة الزهـد فقــال لــي: قــد بينــه رســول اللهصلــى اللــه عليــه وسلــم فــي قولــه: الزاهــد مــن لــم ينــس القبر والبـلا وآثـر مـا يبقـى علـى مـا يفنـى ولـم يعـد عـداً مـن أيامـه وعـد نفسـه فـي الموتـى.
وقيـل: إن أبـا ذر كـان يقـول لـي: الفقـر أحـب إلـي مــن الغنــى والسقــم أحــب إلــي مــن الصحــة فقــال بعــض السامعيــن: رحـم اللـه أبـا ذر أمـا أنـا فأقـول: مــن أتكــل علــى حســن الاختيــار مــن اللــه تعالــى رضــي بالحالــة التــي اختارهـا اللـه لـه.
وقـال بعـض الثقـات: صـل بنـا ابـن أبـي أو فـي صلـاة الصبـح فقـراً يـا أيهـا المدثـر حتــى بلـغ قولـه تعالـى فـإذا نقـر فـي الناقـور فخـر ميتـاً.
ويـروى أن ثابتـاً البنانـي بكـى حتـى كـادت أن تذهـب عينـــاه فجـــاؤوا برجـــل يعالجـــه قـــال: أعالجـــه بشـــرط أن يطاوعنـــي قـــال ثابـــت: فـــي أي شـــيء قــــال الطبيب: في أن لا تبكـي قـال ثابـت: فمـا فضـل عينـي أن لـم تبكيـا.
وقـال رجـل لمحمـد بـن عبـد اللـه: أوصني.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.