الف ليلة و ليلة 123

الف ليلة و ليلة 123

وفي الليلة الخامسة والتسعين

قالـــت: بلغنـــي أيهـــا الملـــك السعيـــد أن الوقـــاد لمـــا أراد أن يشـــد حمـــاره ويهـــرب وصــــار يكلــــم نفســــه ويقــول: يــا تــرى كيــف حالــه فمــا أتــم كلامــه إلا والخــادم واقــف فـــوق رأســـه والغلمـــان حولـــه فالتفـــت الوقــاد فــرأى الخــادم واقفــاً علــى رأســه فارتعــدت فرائصــه وخــاف وقــال وقـــد رفـــع صوتـــه بالكلـــام: إنـه مــا عــرف مقــدار مــا عملتــه معــه مــن المعــروف فأظــن أنــه غمــز الخــادم وهــؤلاء الغلمــان علــي وأنــه أشركنـي معـه فـي الذنـب وإذا بالخـادم صــاح عليــه وقــال لــه مــن الــذي كــان ينشــد الأشعــار يــا كــذاب كيـف تقـول لـي أنـا مـا أنشــد الأشعــار ولا أعــرف مــن أنشدهــا وهــو رفيقــك فأنــا لا أفارقــك مــن هنــا إلـى بغـداد والـذي يجـري علـى رفيقـك يجـري عليـك فلمـا سمـع الوقـاد كلامـه قـال فـي نفســه: مــا خفــت منه وقعت فيه ثم أنشد هذا البيت: كــان الــذي خفــت أن يكونـــا إنــــــا إلــــــى اللــــــه راجعونــــــا ثــم إن الخــادم صــاح علــى الغلمــان وقــال لهــم: أنزلــوه عــن الحمــار فأنزلـــوا الوقـــاد عـــن حمـــاره وأتـــوا لـــه بحصــان فركبــه ومشــى صحبــة الركــب والغلمــان حولــه محدقــون بــه وقـــال لهـــم الخـــادم: إن عـــدم منـــه شعــرة كانــت بواحــد منكــم ولكــن أكرمــوه ولا تهينــوه فلمــا رأى الوقــاد الغلمــان حولـــه يئـــس مـــن الحيـــاة والتفـت إلـى الخـادم وقـال لـه: يـا مقــدم أنــا مــا لــي أخــوة ولا أقــارب وهــذا الشــاب لا يقــرب لــي ولا أنــا اقــرب لــه وغنمــا أنــا رجــل وقــاد فــي حمــام ووجدتــه ملقــى علــى المزبلــة مريضــاً وصــار الوقــاد يبكــي === ويحســب فــي نفســه ألــف حســاب والخــادم مــاش بجانبــه ولــم يعرفــه بشــيء بــل يقــول لـــه: قـــد أقلقـــت سيدتنــا بإنشــادك الشعــر أنــت وهــذا الصبــي ولا تخـــف علـــى نفســـك وصـــار الخـــادم يضحـــك عليـــه ســراً وإذا نزلــوا أتاهــم الطعــام فيأكــل هــو والوقــاد فــي آنيــة واحــدة فـــإذا أكلـــوا أمـــر الخـــادم الغلمـــان أن يأتــوا بقلــة سكــر فشــرب منهــا ويعطيهــا للوقــاد فيشــرب لكنــه لا تنشــف لــه دمعـــة مـــن الخـــوف علـــى نفسـه والحـزن علـى فـراق ضـوء المكـان وعلـى مـا وقـع لهمـا فـي غربتهمـا وهمــا سائــران والحــادب تــارة يكـون مـن بـاب المحفـة لأجـل خدمـة ضـوء المكـان ابـن الملــك عمــر النعمــان ونزهــة الزمــان وتــارة يلاحــظ الوقاد وصارت نزهة الزمان وأخوها ضوء المكان في حديث وشكوى.
ولم يـزالا علـى تلـك الحالـة وهـم سائـرون حتـى قربـوا مـن البلـاد ولـم يبـق بينهـم وبيـن البلـاد إلا ثلاثـة أيـام فنزلــوا وقــت المســاء واستراحــوا ولــم يزالــوا نازليــن إلـــى أن لـــاح الفجـــر فاستيقظـــوا وأرادوا أن يحملـــوا وإذا بغبـار عظيـم قـد لـاح فهـم وأظلـم الجــو منــه حتــى صــار كالليــل الداجــي فصــاح الحاجــب قائــلاً: أمهـــوا ولا تحملـــوا وركـــب هـــو ومماليكـــه وســـاروا نحـــو ذلـــك الغبـــار فلمـــا قربـــوا منــــه بــــان مــــن تحتــــه عسكــر جــرار كالبحــر الزخــار وفيــه رايــات وأعلــام وطبــول وفرســان وأبطــال فتعجــب الحاجــب مـــن أمرهــم فلمــا رآهــم العسكــر افترقــت منــه فرقــة قــدر خمسمائــة فــارس وأتــوا إلــى الحاجــب هــو ومـــن معـه وأحاطـوا بهـم وأحــاط كــل خمســة مــن العسكــر بمملــوك مــن مماليــك الحاجــب فقــال لهــم الحاجــب: === أي شـيء الخبـر ومــن أيــن هــذه العساكــر حتــى تفعــل معنــا هــذه الأفعــال فقالــوا لــه: مــن أنــت ومــن أيــن أتيــت وإلــى أن تتوجــه فقــال لهــم: أنــا حاجــب أميــر دمشـــق الملـــك شركـــان ابـــن الملـــك عمـــر النعمـــان صاحــب بغــداد وأرض خراســان أتيــت مــن عنــده بالخــراج والهديــة متوجهــاً إلــى والــده ببغـــداد فلمـــا سمعــوا كلامــه أرخــوا مناديلهــم علــى وجوههــم وبكــوا وقالــوا: إن الملــك عمـــر النعمـــان قـــد مـــات ومـــا مات إلا مسموماً فتوجه وما عليك بأس حتى تجتمع بوزيره الأكبر الوزير دندان.
فلمـا سمـع الحاجـب ذلـك الكلـام بكــى بكــاء شديــداً وقــال: واخيبتــاه فــي هــذه السفــرة وصــار يبكــي هــو ومــن معــه إلــى أن اختلطــوا بالعسكــر فاستأذنــوا لــه الوزيــر دنــدان فـــأذن لـــه وأمـــر الوزيـــر بضـــرب خيامـه وجلـس علــى سريــر فــي وســط الخيمــة وأمــر الحاجــب بالجلــوس فلمــا جلــس سألــه عــن خبــره فأعلمـه أنــه حاجــب أميــر دمشــق وقــد جــاء بالهدايــا وخــراج دمشــق.
فلمــا سمــع الوزيــر دنــدان ذلــك بكــى عنــد ذكــر الملــك عمــر النعمــان ثــم قــال لـــه الوزيـــر دنـــدان أن عمـــر النعمـــان قـــد مـــات مسمومـــاً وبسبــب موتــه اختلــف النــاس فيمــن يولونــه بعــده حتــى أوقعــوا القتــل فــي بعضهـــم ولكـــن منعهـــم عـــن بعضهـم الأكابـر والأشـراف والقضـاة الأربعـة واتفـق جميــع النــاس علــى أن مــا أشــار بــه القضــاة الأربعــة لا يخالفهـم فيـه أحـد فوقـع الاتفـاق علـى أننـا نسيـر إلـى دمشــق ونقصــد ولــده الملــك شركــان ونجــيء بــه ونسلطنــه مـــن مملكـــة أبيـــه وفيهـــم جماعـــة يريـــدون ولـــده الثانـــي وقالـــوا أنـــه يسمـــى ضـــوء المكـــان ولـــه === أخـت تسمـى نزهــة الزمــان وكانــا قــد توجهــا إلــى أرض الحجــاز ومضــى لهمــا خمســن سنيــن ولــم يقــع لهمــا أحــد علـــى خبـــر فلمـــا سمـــع الحاجـــب ذلـــك علـــم أن القضيـــة التـــي وقعـــت لزوجتـــه صحيحـــة فاغتــم لمــوت الملــك غمــاً عظيمــاً ولكنــه فــرح فرحـــاً شديـــداً وخصوصـــاً بمجـــيء ضـــوء المكـــان لأنـــه يصير سلطاناً ببغداد مكان أبيه.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة السادسة والتسعين بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن حاجــب شركــان لمــا سمــع مـــن الوزيـــر دنـــدان مـــا ذكـــره مـــن خبـــر الملـــك عمــر النعمــان تأســف إلــى الوزيــر دنــدان وقــال: إن قصتكــم أعجــب مــن العجائــب اعلـــم أيهـــا الوزيـــر الكبيــر أنكــم حيــث صادفتمونــي الــآن أراحكمــا للــه مــن التعــب وقــد جــاء الأمــر كمــا تشتهـــون علـــى أهــون سبــب لــأن اللـــه رد ضـــوء المكـــان هـــو وأختـــه نزهـــة الزمـــان وانصلـــح الأمـــر وهـــان فلمـــا سمـــع الوزيـر دنـدان هـذا الكلـام فـرح بـه فرحــاً شديــداً ثــم قــال: أيهــا الحاجــب أخبرنــي بقصتهمــا وبمــا جــرى لهمــا وبسبــب غيابهمــا فحدثهمــا بحديــث نزهــة الزمــان وأنهــا صــارت زوجتــه وأخبــره بحديـــث ضـــوء المكـان مـن أولـه إلـى آخـره.
فلمـا فـرغ الحاجـب مـن حديثـه أرســل الوزيــر دنــدان إلــى الأمــراء والــوزراء وأكابر الدولة وأطلعهم على القصة ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وتعجبوا من هذا الاتفاق.
=== ثـم اجتمعـوا كلهـم وجـاؤوا عنــد الحاجــب ووقفــوا فــي خدمتــه وقبلــوا الــأرض بيــن يديــه وأقبــل الوزيــر مـن ذلـك الوقـت علـى الحاجـب ووقـف بيــن يديــه ثــم إن الحاجــب عمــل فــي ذلــك اليــوم ديوانــاً عظيمــاً وجلــس هــو والوزيــر دنــدان علــى التخـــت وبيـــن أيديهمـــا جميـــع الأمـــراء والكبـــراء وأربـــاب المناصـــب علـى حسـب مراتبهـم ثـم بلـوا السكـر فـي مـاء الــورد وشربــوا ثــم قعــد الأمــراء للمشــورة وأعطــوا بقيــة الجيـش أذنـاً فـي أن يركبـوا مــع بعضهــم ويتقدمــوا قليــلاً حتــى يتمــوا المشــورة ويلحقوهــم فقبلــوا الــأرض بيــن يــدي الحاجــب وركبــوا وقدامهــم رايــات الحــرب.
فلمــا فــرغ الكبــار مــن مشورتهــم ركبــوا ولحقــوا العساكـر ثـم أرسـل الحاجـب إلـى الوزيــر دنــدان وقــال لــه: الــرأي عنــدي أن أتقــدم وأسبقكــم لأجــل أن أهـــيء للسلطـــان مكانـــاً يناسبـــه وأعلمــــه بقدومكــــم وأنكــــم اخترتمــــوه علــــى أخيــــه شركــــان سلطانــــاً عليكــم فقــال الوزيـــر دنـــدان: نعـــم الـــرأي الـــذي رأيتـــه ثـــم نهـــض الوزيـــر دنـــدان تعظيمـــاً لـــه وقـــدم لـــه التقاديـم وأقسـم عليـه أن يقبلهــا وكذلــك الأمــراء والكبــار واربــاب المناصــب قدمــوا لــه التقاديــم ودعــوا لـه وقالـوا لـه: لعلـك تحـدث السلطـان ضـوء المكـان فـي أمرنـا ليبقينـا مستمريـن فـي مناصبنـا فأجابهـم لمـا سألـوه ثــم أمــر غلمانــه بالسيــر فأرســل الوزيــر دنــدان الخيــام مــع الحاجــب وأمــر الفراشيــن أن ينصبوهــا خارج المدينة بمسافة يوم.
فامتثلـوا أمـره وركـب الحاجـب وهـو فـي غايـة الفـرح وقــال فــي نفســه: مــا أبــرك هــذه السفــرة وعظمــت === زوجته فـي عينـه وكذلـك ضـوء المكـان ثـم جـد فـي السفـر إلـى أن وصـل إلـى مكـان بينـه وبيـن المدينـة مسافـة يـوم ثـم أمـر بالنـزول فيــه لأجــل الراحــة وتهيئــة مكــان لجلــوس السلطــان ضــوء المكــان ابــن الملــك عمــر النعمــان ثــم نــزل مــن بعيــد هــو ومماليكــه وأمــر الخــدام أن يستأذنــوا السيـــدة نزهـــة الزمـــان فـــي أن تدخـل عليهمـا فاستأذنوهـا فــي شــأن ذلــك فأذنــت لــه فدخــل عليهــا واجتمــع بهــا وبأخيهــا وأخبرهمــا بمـوت أبيهمــا وأن ضــوء المكــان جعلــه الرؤســاء ملكــاً عليهــم عوضــاً عــن أبيــه عمــر النعمــان وهنأهمــا بالملـك وفـي غـد يكـون هـو والجيـش كلـه فـي هـذا المكـان ومـا بقـي فـي الأمـر أيهـا الملـك إلا أن تفعـل مـا أشــاروا بــه لأنهــم كلهــم اختــاروك سلطانــاً وأن لــم تفعــل سلطنــوا غيــرك وأنــت لا تأمــن علـــى نفسكـــم مـن الـذي يتسلطـن غيـرك فربمـا يقتلـك أو يقــع الفشــل بينكمــا ويخــرج الملــك مــن أيديكمــا فأطــرق برأســه ساعة من الزمان ثم قال: قبلت هذا الأمر لأنه لا يمكن التخلي عنه.
وتحقـــق أن الحاجـــب تكلـــم بمـــا فيـــه الرشـــاد ثـــم قـــال للحاجــــب: يــــا عــــم وكيــــف أعمــــل مــــع أخــــي شركــان فقــال: يــا ولــدي أخـــوك يكـــون سلطـــان دمشـــق وأنـــت سلطـــان بغـــداد فشـــد عزمـــك وجهـــز أمــرك فقبــل منــه ضــوء المكــان ذلــك ثــم إن الحاجــب قــدم إليـــه البدلـــة التـــي كانـــت مـــع الوزيـــر دنـــدان مـن ملابـس الملـوك وناولـه النمشـة وخـرج مــن عنــده وأمــر الفراشيــن أن يختــاروا موضعــاً عاليــاً وينصبــوا فيـه خيمـة واسعـة عظيمـة للسلطـان ليجلـس فيهـا إذا أقــدم عليــه المــراء ثــم أمــر الطباخيــن أن يطبخــوا === طعامــاً فاخــراً ويحضــروه وأمـــر السقائيـــن أن ينصبـــوا حيـــاض المـــاء وبعـــد ساعـــة طـــار الغبـــار حتـــى ســد الأقطــار ثــم انكشــف ذلــك الغبــار وبــان مــن تحتــه عسكــر جــرار مثـــل البحـــر الزخـــار.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.