الف ليلة و ليلة 110

الف ليلة و ليلة 110

في الليلة الخامسة والستين

قالــت: بلغنــي أيهــا الملــك السعيــد أن الجاريــة مــا زالــت تشــرب وتسقـــي شركـــان إلـــى أن غـــاب عـــن رشــده مــن الشــراب ومــن سكــر محبتهــا ثــم إنهــا قالــت الجاريــة: يــا مرجانــة هــات لنــا شيئــاً مــن آلـــات الطــرب فقالــت: سمعــاً وطاعــة ثـــم غابـــت لحظـــة وأتـــت بعـــود جلقـــي وجنـــك عجمـــي ونـــاي تتـــري === وقانــون مصــري فأخــذت الجاريــة العــود وأصلحتــه وشــدت أوتــاره وغنــت عليــه بصــوت رخيـــم أرق من النسيم وأعذ من ماء التنسيم وأنشدت مطربة بهذه الأبيات: عفا الله عن عينينك كم سفكت دما وكم فوقت منك اللواحظ أسهما أجل حبيبـاً حائـراً فـي حبيبـه حـــراً عيـــه أن يــــرق ويرحمــــا هنيئاً لطرف فيك بات مسهداً وطوبى لقلب ظل فيـك متيمـا تحكمت في قتلي فإنك مالكي بروحي أفدي الحاكم المتحكما ثـــم قامـــت واحـــدة مـــن الجـــواري ومعهـــا آلتهـــا وأنشـــدت تقـــول عليهـــا أبيـــات بلســـان الروميـــة فطــــرب شركــان ثــم غنــت الجاريــة سيدتهــن أيضــاً وقالــت: يــا مسلــم أمــا فهمــت مــا أقـــول قـــال: لا ولكـــن مـــا طربــت إلا علــى حســن أناملــك فضحكـــت وقالـــت لـــه: إن غنيـــت لـــك بالعربيـــة مـــاذا تصنـــع فقـــال: ما كنت أتمالك عقلي فأخذت آلة الطرب وغيرت الضرب وأنشدت هذه الأبيات: طعـــــــــــم التفريـــــــــــق مــــــــــــر فهـــــــــــل لذلـــــــــــك صبـــــــــــر أهــــــــوى ظريفــــــــاً سبانــــــــي بالحســـــــــن والهجـــــــــر مـــــــــر فلمـا فرغـت مـن شعرهـا نظـرت إلـى شركـان فوجدتـه قـد غــاب عــن وجــوده ولــم يــزل مطروحــاً بينهــن ممـدوداً ساعـة ثـم أفـاق وتذكـر الغنـاء فمــال طربــاً ثــم إن الجاريــة أقبلــت هــي وشركــان علــى الشــراب === ولـم يـزالا فـي لعــب ولهــو إلــى أن ولــى النهــار بالــرواح ونشــر الليــل الجنــاح فقامــت إلــى مرقدهــا فســأل شركـان عنهــا فقالــوا لــه أنهــا مضــت إلــى مرقدهــا فقــال: فــي رعايــة اللــه وحفظــه فلمــا أصبــح أقبلــت عليــه الجاريــة وقالــت لــه: إن سيدتــي تدعــوك إليهــا فقــام معهــا وســار خلفهــا فلمــا قـــرب مـــن مكانهـــا زفتـه الجـواري بالدفـوف والمغانـي إلـى أن وصـل إلـى بـاب كبيـر مـن العــاج مرصــع بالــدر والجوهــر فلمــا دخلــوا منــه وجـــد داراً كبيـــرة أيضـــاً وفـــي صدرهـــا إيـــوان كبيـــر مفـــروش بأنـــواع الحريـــر وبدائـــر ذلـــك شبابيـك مفتحـة مطلـة علــى أشجــار وأنهــار وفــي البيــت صــور مجسمــة يدخــل فيهــا الهــواء فتتحــرك فـي جوفهـا آلـات فيتخيـل للناظـر أنهـا تتكلـم والجاريــة جالســة تنظــر إليهــم فلمــا نظرتــه الجاريــة نهضــت قائمـة غليـه وأخـذت يــده وأجلستــه بجانبهــا وسألتــه عــن مبيتــه فدعــا لهــا ثــم جلســا يتحدثــان فقالــت لـــه: أتعـــرف شيئـــاً ممـــا يتعلـــق بالعاشقيـــن والمتيميـــن فقـــال: نعـــم أعـــرف شيئـــاً مـــن الأشعـــار فقالـــت أسمعني فأنشد هذه الأبيات: لا.
.
لا أبـوح بحــب عــزة إنهــا أخـذت علــي مواثقــاً وعهــودا وهبان مديـن والذيـن عهدتهـم يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها خــروا لعــزة ركعـــاً وسجـــودا فلمـا سمعتـه قالـت: لقـد كـان باهـراً كثيـراً فـي الفصاحـة بـارع البلاغـة لأنـه بالـغ فـي وصفـه العـزة حيــث === لو أن عزة حاكمت شمس الضحى في الحسن عند موفق لقضي لها وسعت إلي بغيـب عـزة نسـوة جعـل الإلــه خدودهــن نعالهــا ثـم قالـت: وقيـل أن عـزة كانـت فـي غايـة الحسـن والجمــال ثــم قالــت لــه: يــا ابــن الملــك إن كنــت تعــرف شيئــاً مــن كلــام جميــل فأنشدنــا منــه ثــم قــال: إنــي أعــرف بــه كــل واحـــد ثـــم أنشـــد مـــن شعـــر جميـــل هذا البيت: تريديـن قتلـي لا تريديــن غيــره ولست أرى قصداً سواك أريد فلمــا سمعــت ذلــك قالــت لــه: أحسنــت يــا ابــن الملــك مــا الــذي ارادتـــه عـــزة بجميـــل حتـــى قـــال هـــذا الشطــر أي: تريديــن قتلــي لا تريديــن غيــره فقــال لهــا شركــان: يـــا سيدتـــي لقـــد أرادت بـــه مـــا تريديـــن منــي ولا يرضيــك فضحكــت لمــا قــال لهــا شركــان هــذا الكلــام ولــم يــزالا يشربــان إلــى أن ولــى النهــار وأقبــل الليــل بالاعتكــار فقامــت الجاريــة وذهبــت مرقدهـــا ونامـــت ونـــام شركـــان فـــي مرقـــده إلـــى أن أصبــح الصبــح فلمــا أفــاق أقبلــت عليــه الجــواري بالدفـــوف وآلـــات الطـــرب كالعـــادة ومشـــى الجـــواري حولــه يضربــن بالدفــوف والآلــات إلــى أن خــرج مــن تلــك الـــدار ودخـــل داراً غيـــره أعظـــم مـــن الأولـــى وفيهــا مــن التماثيــل وصــور الوحــوش مــا لا يوصــف فتعجــب شركــان ممــا رأى مــن صنــع ذلــك المكـــان فأنشد هذه الأبيات: === وعيون ماء مـن سبائـك فضـة وخدود ورد في وجوه زبرجد فكأنما لون البنفسج قد حكى زرق العيـون وكحلـت بالأثمـد فلمــا رأت الجاريــة شركــان قامــت لــه وأخــذت يــده وأجلستــه إلــى جانبهــا وقالــت لــه: أنــت ابــن الملــك عمر النعمان فهل تحسن لعب الشطرنج فقال: نعم ولكن لا تكوني كما قال الشاعر: أقول والوجد يكويني وينشرنـي ونهلة من رضاب الحب ترويني حضرت شطرنج من أهوى فلاعبني بالبيض والسود ولكن ليس يرضيني كأنما الشاة عند الـرخ موضعـه وقــد تفقــد دستــا بالفرازيـــن فإن نظرت إلى معنى لواحظها فـإن ألحاظهــا يــا قــوم تردينــي ثــم قــدم الشطرنــج ولعبــت معــه فصــار شركــان كلمــا أراد أن ينظــر إلــى نقلهــا نظــر إلــى وجههــا فيضــع الفــرس موضــع الفيــل ويضــع الفيــل موضــع الفــرس فضحكــت وقالـــت: إن كـــان لعبـــك هكـــذا فأنـــت لا تعـرف شيئـاً فقـال: هـذا أول دسـت لا تحسبيــه فلمــا غلبتــه رجــع وصــف القطــع ولعــب معهــا فغلبتــه ثانيــاً وثالثـــاً ورابعـــاً وخامســـاً ثـــم التفتـــت إليـــه وقالـــت لـــه: أنـــت فـــي كـــل شـــيء مغلـــوب فقـــال: يـــا سيدتــي مــع مثلــك يحســن أن أكــون مغلوبــاً ثــم أمــرت بإحضــار الطعــام فأكــلا وغســلا أيديهمــا وأمــرت بإحضـــار الشـــراب فشربـــا وبعــــد ذلــــك أخــــذت القانــــون وكــــان لهــــا بضــــرب القانــــون معرفــــة جيــــدة === الدهر ما بين مطوي ومبسـوط ومثلــه مثــل محــرور ومخـــروط فاضرب على إن كنت مقتدراً أن لا تفارقني في وجه التفريط ثــم إنهمــا لــم يــزالا علــى ذلــك إلــى أن أقبــل الليــل فكــان ذلــك اليــوم أحســن مــن اليــوم الــذي قبلـــه فلمـــا أقبـل الليـل مضـت الجاريــة إلــى مرقدهــا وانصــرف شركــان إلــى موضعــه فنــام إلــى الصبــاح ثــم أقبلــت عليـــه الجـــواري بالدفـــوف وآلـــات الطـــرب وأخـــذوه كالعـــادة إلـــى أن وصلـــوا إلـــى الجاريــــة فلمــــا رأتــــه نهضــت قائمــة وأمسكتــه مــن يــده وأجلستـــه بجانبهـــا وسألتـــه عـــن مبيتـــه فدعـــا لهـــا بطـــول البقـــاء ثـــم أخذت العود وأنشدت هذين البيتين: لا تركننـــــــن إلــــــــى الفــــــــراق فإنــــــــــــه مــــــــــــر المـــــــــــــذاق الشمـــــــس عنـــــــد غروبهــــــــا تصفـــــر مــــــن ألــــــم الفــــــراق فبينمـا همـا علـى هـذه الحالــة وإذا همــا بضجــة فالتفتــا فرأيــا رجــالاً وشبانــاً مقبليــن وغالبهــم بطارقــة بأيديهــم السيــوف مسلولــة تلمــع وهــم يقولــون بلســان روميــة: وقعـــت عندنـــا يـــا شركـــان فأيقـــن الهلـــاك فلمـا سمـع شركـان هـذا الكلـام قـال فـي نفســه: لعــل هــذه الجاريــة الجميلــة خدعتنــي وأمهلتنــي إلــى أن جــاء رجالهــا وهــم البطارقــة الذيــن خوفتنــي بهــم ولكــن أنــا الــذي جنيــت علــى نفســي وألقيتهـــا فـــي الهلاك.
=== ثــم التفــت إلــى الجاريــة ليعاتبهــا فوجــد وجههــا قــد تغيــر بالاصفــرار ثـــم وثبـــت علـــى قدميهـــا وهـــي تقـول لهـم: مــن أنتــم فقــال لهــا البطريــق المقــدم عليهــم: أيتهــا الملكــة الكريمــة والــدرة اليتيمــة أمــا تعرفيــن الــذي عنــدك مــن هــو قالــت لــه: لا أعرفــه فمــن هــو فقــال لهــا: هــذا مخــرب البلــدان وسيــد الفرســـان هــذا شركــان ابــن الملــك عمــر النعمــان هـــذا الـــذي فتـــح القلـــاع وملـــك كـــل حصـــن منيـــع وقـــد وصـــل خبــره إلــى الملــك حــردوب والــدك مــن العجــوز ذات الدواهــي وتحقــق ذلـــك ملكنـــا نقـــلاً عـــن العجـــوز وها أنت قد نصرت عسكر الروم بأخذ هذا الأسود المشؤوم.
فلمـــا سمعـــت كلـــام البطريـــق نظـــرت إليـــه وقالــــت لــــه: مــــا اسمــــك قالــــت لهــــا: اسمــــي ماســــورة بــــن عبــدك موســورة بــن كاشــردة بطريــق البطارقــة قالــت لــه: كيــف دخــل علــي بغيــر إذنــي فقــال لهــا: يــا مولاتي إني لماوصلـت إلـى البـاب مـا منعنـي حاجـب ولا بـواب بـل قـام جميـع البوابيـن ومشـوا بيـن أيدينـا كمــا جــرت بـــه العـــادة إنـــه إذا جـــاء غيرنـــا يتركونـــه واقفـــاً علـــى البـــاب حتـــى يستأذنـــوا عليـــه الدخـــول وليــس هــذا وقــت إطالــة الكلـــام والملـــك منتظـــر رجوعنـــا إليـــه بهـــذا الملـــك الـــذي هـــو شـــرارة جمـــرة عسكــر الإسلــام لأجــل أن يقتلــه ويرحــل عسكــره إلــى المواضــع الــذي جــاؤوا منــه مـــن غيـــر أن يحصـــل لنا تعب في قتالهم.
فلمــا سمعــت الجاريــة هــذا الكلامقالــت لــه: إن هــذا الكلــام غيـــر حســـن ولكـــن قـــد كذبـــت العجـــوز === ذات الدواهـي ظنهـا قــد تكلمــت بكلــام باطــل لا تعلــم حقيقتــه.
وحــق المسيــح الــذي هتــدي مــا هــو شركـــان وغـــلا كنـــت أسرتـــه ولكـــن رجـــل أتـــى إلينـــا وقـــدم علينـــا فطلـــب الضيافـــة فأضفنــــاه فــــإذا تحققنـا أنـه شركـان بعينـه وثبـت عندنـا أنـه هـو مـن غيـر شـك فــلا يليــق بمروءتــي أن أمكنكــم منــه لأنــه دخــل تحــت عهــدي وذمتــي فــلا تخونونــي فــي ضيفــي ولا تفضحونــي بيــن الأنــام بــل ارجــع أنـــت إلـــى الملك أبي وقبل الأرض بين يديه وأخبره بأن الأمر بخلاف ما قالته العجوز ذات الدواهي.
فقــال البطريــق ماســورة: يــا إبريــزة أنــا مـــا أقـــدر أن أعـــود إلـــى الملـــك إلا بغريمـــه.
فلمـــا سمعـــت هـــذا الكلــام قالــت: لا كــان هــذا الأمــر فإنــه عنــوان السفــه لــأن هــذا الرجــل واحــد وأنتــم مائــة فـــإذا أردتـــم مصادمته فابرزوا له واحداً بعد واحد ليظهر عند الملك من هو البطل منكم.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.